عائشة أم المؤمنين.. فقيهة ومحدّثة معتبرة في كتب الشيعة!

في عالمنا الإسلامي السّنّي، يدافع كثيرون عن فكرة أنّ أهل السنة ليسوا كتلة واحدة، بل عوالم متعددة: فيهم الصوفي والسلفي والأشعري، والمالكي والحنبلي، والظاهري والمقاصدي. ويقبل بعضهم كذلك أن اليسار أنواع، فيهم الانتهازي والاستئصالي والديموقراطي والاجتماعي. لكنه حين يتحدث عن الشيعة، يتحول فجأة إلى متعصب لفكرة أنهم كتلة صلبة واحدة، وأنهم جميعا يمارسون التقية، ويسبون الصحابة، ويطعنون في عرض عائشة أم المؤمنين.

وهذا شبيه بمن يضع داعش والصوفية والسلفية والإخوان في سلة واحدة، أو بمن يختزل الغرب كله في صورة واحدة جاهزة. بينما المنهج القرآني الداعي إلى الدقة يقول: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى. ومنذ زمن طويل، تمنيت لو ينهض بعض الباحثين بعمل بسيط في تقنيته، طويل في نَفَسه: البحث عن كلمة “عائشة” في أكبر عدد ممكن من الكتب الشيعية التراثية المتاحة إلكترونيا، ثم فحص السياقات التي ورد فيها اسم أم المؤمنين رضي الله عنها: أهي سياقات ذم، أم رواية، أم استشهاد فقهي، أم جدل سياسي؟ لأن كثيرا من الأحكام الشائعة في هذا الباب لا يقوم على قراءة واسعة، بل على نقل انتقائي أو محرّف أو تضليلي.

أقول: هذه الكتب متاحة، والبحث فيها ممكن، ولا شيء يمنع من أن ننظر في السياقات كاملة لنقطع الشك باليقين. أما الاكتفاء بعبارة أو عبارتين ثم تعميم الاتهام على طائفة كاملة، فهو مخالف لأبسط قواعد البحث العلمي والشرعي. توجد مثلا مكتبة “يعسوب الدين” الإلكترونية، وهي تضم عشرات الكتب الشيعية التراثية والمعاصرة، ويمكن البحث فيها بالنص والعبارة. وقد قمت منذ فترة ببحث بسيط في تقنيته، طويل في نَفَسه، عن ورود ذكر السيدة عائشة أم المؤمنين في الكتب الشيعية، فوجدت لها حضورا في 121 كتابا موزعة على أربعة أصناف: كتب الحديث، والفقه، والتفسير، وأصول الفقه.

وخلاصة ما وجدته هو التالي:

  1. جلّ المؤلفين الشيعة استشهدوا بمروياتها الحديثية في معرض قبول روايتها، ما عدا واحدا فقط هو مرتضى العسكري.
  2. جلّ فقهاء الشيعة يعدّونها من فقهاء الصحابة.
  3. لم أجد أيّ أثر لاتهامها في عِرضِها بما برّأها القرآنُ منه، في أيٍّ من الكتب الـ121 التي اطلعت عليها.
  4. لم أجد لعنا ولا سبّا في حقّها، وإنما دراسةً نقدية متأوِّلةً، أو ظالمةً، أو محتكمةً لأدواتٍ مختلفة عن أدوات تصحيح الحديث السنّي لمروياتها.
  5. وجدت أيضا إدانةً تامّة وقاسية لموقفها السياسي بعد وفاة الرسول ﷺ.

أولا: ما مردّ كل الاتهامات الموجّهة للشيعة في هذا الموضوع؟

أعتقد أن السبب يعود إلى ثلاثية “الانتقائية، والاختزال، والتعميم”. فكثير من الاتهامات يبنى على الاستشهاد بكتب الروايات وحدها في التراث الشيعي، ثم تعميم ما فيها من أخبار باطلة أو شاذة على المذهب كله. وقد خضت حوارات طويلة مع عدد من الأصدقاء الشيعة في تونس وكندا لفهم كيفية تعاملهم مع هذه المادة، فتبين لي أن هناك فرقا كبيرا بين كتب “المرويات” وبين كتب الفقه والحديث والتفسير وأصول الفقه. وكتب المرويات، مثل كثير من المدونات التراثية في مختلف المذاهب، تضم الصحيح والضعيف والموضوع، ولا يصح أن تُعامل كلها بوصفها عقيدة ملزمة للجميع.

وأتساءل: هل من المنطقي أن نُلزم الشيعة بجميع محتويات كتب التراث الشيعي؟ وماذا لو وجد أحدهم في بعض كتب التراث السنّي كلامًا مخالفا للثوابت الدينية، فهل يمكن أن نقبل بتوجيه الاتهام لجميع أهل السنّة بتبنّي هذا الكلام؟

وإذا كنا نحن، كأهل سنة، نرفض أن يُنسب إلينا كل ما بقي في تراثنا من ضعيف وموضوع، فمن باب أولى ألا نمارس المنهج نفسه على غيرنا.

وأذكر هنا، كشهادة للتاريخ، أنني راسلت المرجع الشيعي الراحل محمد حسين فضل الله سنة 2005، لأسأله عن بعض المسائل المتعلقة بعلم الحديث عند الشيعة. فذكر لي أن جميع مراجع الشيعة المعاصرين تقريبا لا يعتقدون بصحة جميع الأحاديث الواردة في أي كتاب من كتب الحديث الشيعية، وأن “بحار الأنوار” للمجلسي و”الكافي” للكليني فيهما الصحيح والضعيف والموضوع بشهادة فقهاء الشيعة أنفسهم.

وذكر أن الشيعة لهم مدرستان: مدرسة إخبارية تعتمد على كتب الحديث والمرويات بشكل مطلق دون غربلة، ومدرسة أصولية لديها قواعد في التحقيق والتثبت وترد جزءا كبيرا من هذه المرويات.


ثانيا: مكمن الخلاف الحقيقي بين الشيعة والسنة حول عائشة

إذن، فموضوع طهارة السيدة عائشة وعفّتها لا يشكّل في حقيقة الأمر موضع الخلاف الأساسي حول شخصيتها بين الشيعة والسنة. وأعتقد أن الخلاف الحقيقي يكمن في ثلاثة مستويات فقط:

  1. في تقييم موقفها السياسي في عهد علي بن أبي طالب، ومجمل الأحداث التي شاركت فيها في هذا الصدد.
  2. وفي مآلها الأخروي بناءً على ذلك التقييم.
  3. وفي ثقافة السب واللعن الرائجة في بعض الأوساط الشيعية والتي تمس الصحابة ومنهم عائشة أم المؤمنين.

ثالثا: إحصاء ذكر “عائشة” في كتب الشيعة

فيما يلي نتائج البحث الذي قمتُ به عن كلمة “عائشة” في الكتب المرجعية للشيعة المنشورة في مكتبة “يعسوب الدين” الإلكترونية. وأشير هنا إلى أن بعض العناوين قد تتكرر في هذا الجرد الأولي بسبب اختلاف الطبعات أو النسخ أو طريقة الفهرسة في مادة البحث الأصلية.


عائشة أم المؤمنين في كتب الحديث الشيعي ذات النزعة الفقهية

(132 مرة في 6 كتب — الملاحَظ أن “الكافي” للكليني اعتمدها كراوية للحديث في السند المقبول في مرويات الإمام جعفر الصادق)

#الكتابالمؤلف
1الكافيالشيخ الكليني
2شرح أصول الكافيمولى محمد صالح المازندراني
3كفاية الأثرالخزاز القمي
4مستدرك الوسائلالميرزا النوري
5نهج البلاغةخطب الإمام علي
6وسائل الشيعة (الإسلامية)الحر العاملي

عائشة أم المؤمنين في كتب التفسير الشيعية

(129 مرة في 7 كتب — كلها في معرض الاستشهاد بروايتها الحديثية أو برأيها الفقهي المعتبر)

#الكتابالمؤلف
1التبيانالشيخ الطوسي
2تفسير مجمع البيانالشيخ الطبرسي
3التفسير الصافيالفيض الكاشاني
4بحوث في تاريخ القرآنالسيد مير محمدي زرندي
5تفسير القرآن الكريمالسيد مصطفى الخميني
6تفسير الميزانالسيد الطباطبائي
7تفسير مجمع البيان (نسخة أو طبعة أخرى)الشيخ الطبرسي

عائشة أم المؤمنين في كتب أصول الفقه الشيعي

(10 مرات في كتاب واحد — يُستشهد بها كراوية للحديث مقبولة الرواية وكصحابية ذات رأي فقهي معتبر)

#الكتابالمؤلف
1عدة الأصولالشيخ الطوسي

عائشة أم المؤمنين في كتب الفقه الشيعي

(أكثر من 300 مرة في 37 كتابا)

#الكتابالمؤلف
1الحدائق الناضرةالمحقق البحراني
2الخلافالشيخ الطوسي
3السجود على الأرضالشيخ علي الأحمدي
4السرائرابن إدريس الحلي
5المسائل الفقهيةالسيد شرف الدين
6المسح في وضوء الرسول ﷺمحمد الحسن الآمدي
7المقنعالشيخ الأقدم أبي جعفر الصدوق
8المهذبالقاضي ابن البراج
9تذكرة الفقهاءالعلامة الحلي
10تقريرات الحجالسيد الكلبايكاني
11تقريرات الحدود والتعزيراتالسيد الكلبايكاني
12جامع الخلاف والوفاقعلي بن محمد القمي
13جامع المداركالسيد الخوانساري
14جامع المقاصدالمحقق الكركي
15جواهر الكلامالشيخ الجواهري
16خيارات السيدالسيد مصطفى الخميني
17رسائل الشريف المرتضىالشريف المرتضى
18زبدة البيانالمحقق الأردبيلي
19سنت وبدعت در أذانالسيد محمد رضا مدرسي
20فقه الإمام الصادقالسيد محمد صادق الروحاني
21قاعدة القرعةحسين كريمي
22كتاب الخُمس، الأولالسيد الخوئي
23كتاب الصوم، الأولالشيخ الأنصاري
24كتاب المكاسبالشيخ الأنصاري
25كتاب النكاحالسيد الخوئي
26كشف الرموزالفاضل الآبي
27كشف اللثامالفاضل الهندي
28مجمع الفائدةالمحقق الأردبيلي
29مجمع الفائدة (نسخة أو جزء آخر)المحقق الأردبيلي
30مختلف الشيعةالعلامة الحلي
31مستمسك العروةالسيد محسن الحكيم
32مستند الشيعةالمحقق الراقي
33مفتاح الكرامةالسيد محمد جواد العاملي
34مناسك الحجالميرزا جواد التبريزي
35منتهى المطلبالعلامة الحلي
36منهاج الفقاهةالسيد محمد صادق الروحاني
37وضوء النبي ﷺالسيد علي الشهرستاني

عائشة أم المؤمنين في كتب الحديث الشيعي — كتب عامة

(أكثر من 3000 مرة في 69 كتابا)

#الكتابالمؤلف
1الاختصاصالشيخ المفيد
2الإرشادالشيخ المفيد
3الأعلامالشيخ المفيد
4الإفصاحالشيخ المفيد
5الأنوار البهيةالشيخ عباس القمي
6التعجبأبو الفتح الكراجكي
7الجملضامر بن شدقم المدني
8السعادةالشيخ المحمودي
9السقيفةالشيخ محمد رضا المظفر
10السقيفة أم الفتنالدكتور الخليلي
11الصراط المستقيمعلي بن يونس العاملي
12الطرائفالسيد ابن طاووس الحسني
13العوالم، الإمام الحسينالشيخ عبدالله البحراني
14الغاراتإبراهيم بن محمد الثقفي
15الغديرالشيخ الأميني
16الفرج بعد الشدةالقاضي التنوخي
17الفصول المختارةالشيخ المفيد
18الكافئةالشيخ المفيد
19المباهلةالسيد عبدالله الحسيني
20الهداية الكبرىالحسين بن حمدان الخصيبي
21إثنا عشر رسالةالمحقق الداماد
22أبو طالب حامي الرسولنجم الدين العسكري
23أحاديث أم المؤمنين عائشة (كتاب في جزئين)السيد مرتضى العسكري
24أدب الضيافةجعفر البياتي
25أضواء على الصحيحينالشيخ محمد صادق النجمي
26أقسام المولىالشيخ المفيد
27أمان الأمة من الاختلافالشيخ لطف الله الصافي
28بحار الأنوار (المجموعة)العلامة المجلسي
29تاج المواليدالشيخ الطبرسي
30تفضيل أمير المؤمنينالشيخ المفيد
31حديث الثقليننجم الدين العسكري
32حلية الأبرارالسيد هاشم البحراني
33خلاصة عبقات الأنوارالسيد حامد النقوي
34دراسات في الحديث والمحدثينهاشم معروف الحسيني
35ذخائر العقبىأحمد بن عبدالله الطبري
36رسالة حول خبر ماريةالشيخ المفيد
37رسالة في معنى المولىالشيخ المفيد
38سبيل النجاة في تتمة المراجعاتالشيخ حسين الراضي
39شجرة طوبىالشيخ محمد مهدي الحائري
40شرح الأخبارالقاضي النعمان المغربي
41طرق حديث الأئمة الاثنا عشرالشيخ كاظم آل نوح
42طرق حديث الأئمة الاثنا عشر (نسخة مكررة في الفهرسة)الشيخ كاظم آل نوح
43عبدالله بن سباالسيد مرتضى العسكري
44عوالي اللئاليابن أبي جمهور الأحسائي
45عين العبرةالسيد أحمد آل طاووس
46عيون المعجزاتحسين بن عبد الوهاب
47فداك في التاريخالسيد محمد باقر الصدر
48فرحة الغريالسيد عبدالكريم بن طاووس
49كتاب الأربعينالماحوزي
50كلمات الإمام الحسينالشيخ الشريفي
51مائة منقبةمحمد بن أحمد القمي
52مثير الأحزانابن نما الحلي
53مدينة المعاجزالسيد هاشم البحراني
54مسألتان في النص على عليالشيخ المفيد
55مستدرك سفينة البحارالشيخ علي النمازي
56معالم المدرستينالسيد مرتضى العسكري
57معجم أحاديث الإمام المهديالشيخ علي الكوراني العاملي
58مقاتل الطالبيينأبو الفرج الاصفهاني
59مقام الإمام علينجم الدين العسكري
60مكاتيب الرسولالأحمدي الميانجي
61مكارم الأخلاقالشيخ الطبرسي
62مناقب أمير المؤمنينمحمد بن سليمان الكوفي
63مناقب أهل البيتالمولى حيدر الشيرواني
64مناقب آل أبي طالبابن شهر آشوب
65مواقف الشيعةالأحمدي الميانجي
66ميزان الحكمةمحمدي الريشهري
67نهاية الدرايةالسيد حسن الصدر
68نهج السعادةالشيخ المحمودي
69وصول الأخيار إلى أصول الأخباروالد البهائي العاملي

خاتمة

إذا أردنا أن نخرج من سجن الشعارات المذهبية المتبادلة، فعلينا أن ننتقل فعليا من التلقين إلى التحقيق، ومن الصور الموروثة إلى النصوص الأصلية. وهذا البحث، رغم بساطته التقنية، يقدم مثالا واضحا على ما يمكن أن تكشفه القراءة الواسعة الهادئة. فعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ليست في المصادر الفقهية والحديثية الشيعية الكبرى بالصورة التي يتخيلها كثير من السنة، ولا بالصورة التي يرسمها المتطرفون في كلا الطرفين. والواقع، في النهاية، أكثر تعقيدا وأكثر إنسانية من الصور الجاهزة التي يصنعها الجهل.