أحد أكبر مظاهر الهشاشة النفسية والفكرية هو التحسس المفرط من أي ممارسة أو مظهر يخالف معتقدات الأغلبية، وكأن الوجود نفسه يجب أن يُقاس على ميزانهم وحدهم. هذا الإحساس بالفوقية يجعلهم ينزعجون لمجرد أن هناك من يعيش أو يموت بطقوس تختلف عن طقوسهم، بل ويعتبرون أن لهم “حقًا” في التدخل

وهذا نراه في المجتمعات التي يكون المسلمون فيها أغلبية والآخرون أقلية.. مثلما نراه أيضا في مجتمعات يكون فيها المسلمون أقلية والآخرون أغلبية.. يعني، دائما حين تنزعج الأغلبية من الأقلية فهو مؤشر هشاشة نفسية وفكرية..

دور الدولة الحديثة في تنظيم الفضاء العام

فقهاء وأصوليون كبار قرروا منذ قرون أن سلطة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” هي في يد الدولة أو ولي الأمر، لا الأفراد.

  • الإمام الماوردي (الأحكام السلطانية) ميّز بين مراتب الإنكار، وجعل التغيير في الشأن العام من اختصاص السلطان.

  • الإمام الغزالي (إحياء علوم الدين) نصّ على أن التدخل القهري في الشأن العام بغير إذن الإمام غير جائز.

  • القاضي عياض (إكمال المعلم) أكد أن شؤون النظام العام ترجع إلى ولي الأمر.

  • ابن تيمية (الحسبة في الإسلام) صرّح أن الإلزام في الفضاء العام وظيفة الحاكم أو من ينيبه.

  • الشاطبي (الموافقات) جعل حفظ النظام العام من مقاصد الشريعة، وربطه باختصاص الدولة.

هذا يعني أن الأفراد حين يمارسون هذه السلطة خارج إطار الدولة، فهم يتجاوزون (حتى من الناحية الدينية) على الحرية الشخصية والمواطنة المتساوية.

العيش المشترك وحقوق الأقليات

العيش المشترك في مجتمع ديمقراطي يقتضي أن تُمنح الأقليات الحق في ممارسة ما تعتقده، حتى إن خالف معتقد الأغلبية. . هذا مبدأ أساسي: كل إنسان، كل عائلة، كل جماعة، كل طائفة، لها الحق في طقوسها في الحياة وفي الممات، دون تدخل من الآخر المختلف.

مشكلتنا ليست في “الاختلاف” بل في عدم قبول الاختلاف.

ومن يريد فرض معتقده أو ذوقه على الآخرين، بدعوى أنه “الأغلبية”، فهو ينسف أساس التعايش.

واحترام خصوصيات الآخرين ليس تنازلًا عن مبادئك، بل هو احترام لمبدأ أعمق: مبدأ المواطنة المتساوية..

المواطنة كمرجعية مشتركة

المشكلة ليست في الاختلافات الدينية والثقافية — هي حين تُصبح أدوات استعلاء. المواطنة كمرجعية مشتركة تعني أن لكل مواطن الحق في ممارسة خصوصيته طالما لم تضرّ غيره.

خاتمة

الاحترام المتبادل ليس تنازلًا — هو الثمن المعقول لحق الجميع في العيش كما يختارون في مجتمع متعدد.