إدارة التنوع الديني: لماذا نجحت سنغافورة وكندا وفشل لبنان وسوريا؟
هذا جزء من بحث اكاديمي محكّم شاركتُ به سنة 2009 في مؤتمر جامعي دولي نظمته جامعة الرياض حول “الأمن الفكري”.. وكان عنوان بحثي: “التعددية الثقافية ومفهوم الهوية متعددة الأبعاد: دراسة مقارنة لعشر تجارب دولية”.
وأستعرض هنا فقط الأفكار المتعلقة بالتنوع الديني. وأضفت افكارا متعلقة بسوريا ولبنان.
مؤشر التنوع الديني الذي طوره مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) يعكس درجة التوازن بين الأديان الرئيسية في كل دولة على مقياس من 0 (لا تنوع ديني) إلى 10 (تنوع ديني مرتفع):
سنغافورة
• مؤشر التنوع الديني: 9.0
• الأديان الرئيسية: البوذية (33.2%)، المسيحية (18.8%)، الإسلام (14.0%)، الهندوسية (5.1%)، أديان أخرى.
تايوان
• مؤشر التنوع الديني: 8.8
• الأديان الرئيسية: البوذية (35%)، الطاوية (33%)، المسيحية (4%)، ديانات تقليدية.
فيتنام
• مؤشر التنوع الديني: 8.5
• الأديان الرئيسية: البوذية (16.4%)، الكاثوليكية (7.4%)، الطاوية والكونفوشية، وأديان تقليدية.
الهند
• مؤشر التنوع الديني: 8.1
• الأديان الرئيسية: الهندوسية (79.8%)، الإسلام (14.2%)، المسيحية (2.3%)، السيخية، البوذية، الجاينية.
الصين
• مؤشر التنوع الديني: 8.0
• الأديان الرئيسية: البوذية (18.2%)، الطاوية والكونفوشية، الإسلام (0.5%)، المسيحية (5%)، ديانات تقليدية.
لبنان
• مؤشر التنوع الديني: 7.9
• الأديان الرئيسية: الإسلام (54%)، المسيحية (40.5%)، الدروز (5%).
نيجيريا
• مؤشر التنوع الديني: 7.8
• الأديان الرئيسية: الإسلام (50%)، المسيحية (48.1%)، ديانات تقليدية (1.9%).
إندونيسيا
• مؤشر التنوع الديني: 7.7
• الأديان الرئيسية: الإسلام (87.2%)، المسيحية (10.7%)، الهندوسية (1.7%)، البوذية.
ماليزيا
• مؤشر التنوع الديني: 7.5
• الأديان الرئيسية: الإسلام (61.3%)، البوذية (19.8%)، المسيحية (9.2%)، الهندوسية (6.3%).
الولايات المتحدة
• مؤشر التنوع الديني: 7.4
• الأديان الرئيسية: المسيحية (70%)، الإسلام (1.1%)، اليهودية (1.9%)، البوذية (0.7%)، الهندوسية (0.7%).
طبعا الأرقام تقريبية وتعتمد على دراسات وتقارير إحصائية. وتعتبر سنغافورة النموذج الأعلى للتنوع بسبب التوازن النسبي بين دياناتها الكبرى. ولكن مؤشرات التنوع لا تعني بالضرورة التعايش السلمي.
الدول التي حققت نجاحًا واضحًا في إدارة التنوع الديني تتسم بأنظمة سياسية واجتماعية تدعم التعايش السلمي، ومن أبرزها:
سنغافورة: يعزى نجاحها إلى نظامها السياسي الذي يعتمد على العلمانية وعدم تفضيل دين معين، مع ضمان الحرية الدينية واحترام الأقليات. والحكومة تفرض سياسات صارمة تمنع أي خطاب كراهية أو إثارة للنعرات الدينية. والتنوع يعتبر عنصر قوة في الهوية الوطنية السنغافورية، ويُروج له من خلال التعليم والسياسات العامة.
2.ماليزيا: رغم أن الإسلام هو الدين الرسمي، هناك احترام واسع للأديان الأخرى. وسياسات “الاعتراف بالأقليات” مكنت الهندوس والمسيحيين والبوذيين من ممارسة شعائرهم بحرية. ويتضمن النظام يتضمن آليات قانونية لمعالجة النزاعات بين الأديان.
الولايات المتحدة: يضمن النظام السياسي العلماني يضمن فصل الدين عن الدولة. ويحمي الدستور يحمي حرية الدين ويمنع التمييز الديني. ويوجد تركيز على التنوع كمبدأ أساسي في الثقافة الأمريكية.
كندا: تحمي سياسات التعددية الثقافية حقوق الأقليات الدينية. ويشكل التعليم والتوعية ركيزتين أساسيتين لتعزيز التفاهم بين الأديان.
أسباب نجاح هذه الدول:
• العلمانية: فصل الدين عن الدولة يضمن عدم تحيز النظام السياسي لأي دين، مما يخلق بيئة متساوية.
• سياسات قوية لمكافحة التمييز: مثل فرض قوانين ضد خطاب الكراهية وتشجيع الحوار بين الأديان.
• توفير التعليم الشامل: التوعية بمفاهيم التعايش والتعددية في المناهج التعليمية.
• النظام القضائي المحايد: يضمن حماية جميع المواطنين بغض النظر عن دينهم.
لماذا فشلت لبنان في إدارة التنوع الديني؟
رغم أن لبنان من أكثر الدول تنوعًا دينيًا، فإنه يعاني من صراعات دائمة أثرت على إدارة هذا التنوع. الأسباب الرئيسية للفشل تشمل:
النظام الطائفي: يقوم النظام السياسي اللبناني على المحاصصة الطائفية، حيث تُوزع المناصب السياسية الرئيسية على أسس دينية (الرئيس ماروني، رئيس الوزراء سني، رئيس البرلمان شيعي). وهذا النظام يُعزز الولاءات الطائفية بدلًا من الولاء الوطني، مما يجعل السياسة ساحة صراع بين الطوائف.
غياب العلمانية: على عكس الدول الناجحة، لبنان لا يعتمد نظامًا علمانيًا يفصل الدين عن الدولة. وتدخل رجال الدين في السياسة يُعزز الانقسامات الدينية.
التدخلات الخارجية: تستغل القوى الإقليمية الانقسامات الطائفية في لبنان لتحقيق مصالحها، مما يُفاقم الصراعات الداخلية.
التفاوت الاقتصادي والاجتماعي: الطوائف ليست متساوية في النفوذ الاقتصادي والسياسي، مما يُعمق شعور الظلم لدى البعض.
الحروب الأهلية والتاريخ السياسي: الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) كرّست الانقسامات الطائفية، وأدت إلى ترسيخ الكراهية والعداء بين الطوائف.
هل العلمانية هي الحل للبنان؟
فصل الدين عن الدولة يمكن أن يقلل من تأثير الطائفية السياسية. ولكنه يحتاج إلى دعم سياسي واجتماعي قوي لتنجح في مجتمع متعدد الطوائف مثل لبنان. فالقوى السياسية والدينية المسيطرة تستفيد من الوضع الحالي، مما يجعل التغيير صعبًا. وانتشار الأفكار الطائفية بين السكان يجعل تقبل العلمانية تحديًا ثقافيًا.
الوضع في سوريا وإدارة التنوع الديني:
سوريا تُعد واحدة من أكثر الدول تنوعًا دينيًا وعرقيًا في منطقة الشرق الأوسط، حيث تضم ديانات وطوائف مختلفة مثل الإسلام (السنة والشيعة والعلويين والإسماعيلية) والمسيحية (بعدة طوائف)، إلى جانب الدروز والأقليات الدينية الأخرى كاليزيديين. ولكن إدارة هذا التنوع واجهت فشلًا كبيرًا بسبب عوامل سياسية واجتماعية.
أسباب الفشل في إدارة التنوع في سوريا: