حين اندلعت الثورة التونسية في يناير 2011، كان من بين أجمل ما وعدت به: إنهاء احتكار المعلومة. فلعقود طويلة، كانت السلطة التونسية تتعامل مع كل معلومة تخص عمل المؤسسات العامة كما لو كانت سرا أمنيا يُهدد الوجود. جداول أعمال اللجان، محاضر الاجتماعات، مراسيم التعيين، أرقام الميزانيات — كلها في قلاع مغلقة. وقد كان هذا الإغلاق جزءا أصيلا من منظومة الاستبداد لا هامشا فيها: فمن يملك المعلومة يملك السلطة، ومن يحجب المعلومة يُبقي السلطة حكرا له.

لهذا كان مفاجئا ومؤلما أن تنشأ منذ الأيام الأولى للمجلس الوطني التأسيسي سنة 2011 جدالات حول “سرية” جلسات اللجان الدستورية. كأن بعض من جاءوا على أكتاف الثورة لم يقرؤوا ما تعنيه، أو قرؤوها وفضّلوا منطق السلطة على منطق الشعب. وهنا أسمح لنفسي أن أشارك تجربة مقيم منذ سنوات في كندا، بلد بنى حقوقه المدنية على أسس لم تأتِ بها صدفة.

احتكار المعلومة جزء من منظومة الاستبداد

لو تأملنا تاريخ الأنظمة الاستبدادية لوجدنا أن احتكار المعلومة لم يكن فيها خيارا إداريا بل ركيزة سياسية. المواطن الذي لا يعرف ماذا تفعل مؤسساته لا يستطيع محاسبتها. والمؤسسة التي تعمل بعيدا عن الرقابة تتوسع في الفساد بطريقة طبيعية لأنها تفتقر إلى الرادع. والإعلام المُقيَّد لا يستطيع أن يؤدي وظيفته في الكشف والتوثيق.

ولهذا فإن الانتقال الديمقراطي الحقيقي لا يكتفي بتغيير الوجوه في السلطة، بل يستلزم تغيير بنية علاقة السلطة بالمعلومة. الديمقراطية الجوهرية تعني أن المواطن هو المُوكِّل والدولة هي الوكيل، وبالتالي فالوكيل لا يحق له إخفاء ما يفعله عمّن وكّله. هذا المبدأ هو الأساس الفلسفي لقانون الوصول إلى المعلومة.

التجربة الكندية: قانون وإجراءات وحدود

في كندا، حق الوصول إلى المعلومة ليس مجرد شعار انتخابي. هناك قانون فيدرالي صدر سنة 1982 باسم Access to Information Act، وهو يقرّ مبدأ طلب الوثائق من المؤسسات الفيدرالية ضمن آجال وإجراءات محددة. لكن من المهم أيضا ألا نُبسّط الصورة أكثر من اللازم: فالقانون يتعلق بالمؤسسات الفيدرالية، لا بكل مستويات الدولة الكندية دفعة واحدة، ويشتمل على استثناءات وإجراءات طعن وتأخير معروفة في النقاش العام الكندي نفسه.

ومع ذلك، تبقى التجربة مفيدة لأنها تُظهر الفرق بين ثقافة تعتبر المعلومة منحة من السلطة، وثقافة تعتبرها حقا أصليا يحتاج إلى مساطر واضحة ورقابة مستقلة. ويمكن تلخيص أهم عناصر هذه التجربة في ثلاثة مستويات:

أولا: الإتاحة الاستباقية.** جزء معتبر من المعلومات المرتبطة بعمل المؤسسات واللجان والبرلمان يُنشر بصورة استباقية، بما يسمح للمواطن والصحفي والباحث بمتابعة الشأن العام دون انتظار طلب خاص في كل مرة.

ثانيا: الاستجابة للطلبات.** لأي مواطن أو صحفي أو منظمة الحق في تقديم طلب للحصول على أي وثيقة حكومية، وعلى المؤسسة المعنية الرد خلال مدة محددة قانونا مع تبرير أي رفض.

ثالثا: الرقابة المستقلة.** يوجد Information Commissioner مستقل عن الحكومة يتلقى الشكاوى ويُحقق في حالات الرفض أو التأخير. وهذه الاستقلالية ضرورية لأن الجهة الرقابية التي تنتمي إلى السلطة التي تُراقبها لا تُراقبها فعلا.

والنتيجة العملية لهذا النوع من الأنظمة أن الصحفي والباحث والمجتمع المدني يملكون أداة قانونية حقيقية للمساءلة، لا يضطرون معها دائما إلى انتظار التسريب أو الإحسان الإداري.

وظيفتان للشفافية، لا وظيفة واحدة

من الأخطاء الشائعة في النقاش حول الشفافية أنها تُختزل في وظيفة واحدة: محاربة الفساد. وهذا صحيح لكنه غير كافٍ. الشفافية تؤدي وظيفة ثانية لا تقل أهمية: التعليم الديمقراطي للمواطن.

حين تُنشر محاضر لجان البرلمان، يتعلم المواطن كيف تُصنع القرارات. من يُدلي بأي رأي؟ ما الحجج المتقابلة؟ كيف تتشكل التوافقات؟ من يصمد في مواقفه ومن يتراجع؟ هذه المعرفة لا تُنتج فقط رأيا عاما مستنيرا، بل تُنتج جيلا من المواطنين يعرفون كيف تشتغل ديمقراطيتهم ويُحسنون المشاركة فيها. وكل نقاش تأسيسي يجري في السر هو نقاش يُسرق من المواطنين لبناء ديمقراطيتهم.

في الحالة التونسية، كانت المداولات العلنية للمجلس التأسيسي فرصة استثنائية لتعليم التونسيين ديمقراطيتهم من الداخل — فرصة كاد السر أن يُضيّعها.

ما فعلته تونس وما كان ينبغي أن تفعله

تونس لم تبقَ على الفراغ. صدر المرسوم عدد 41 لسنة 2011 المتعلق بالوصول إلى الوثائق الإدارية، ثم جاءت الإشارة إليه في دستور 2014 في الفصل 32 الذي كرّس حق الوصول إلى المعلومة. وفي عام 2016 صدرت أخيرا القانون الأساسي عدد 22 المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة.

هذا تقدم حقيقي يستحق الاعتراف. لكن الفجوة الكبرى بقيت في التطبيق الفعلي. فالقانون موجود لكن آليات التنفيذ ضعيفة، والثقافة المؤسسية ما زالت في كثير من أجهزة الدولة تنظر إلى المعلومة كمكسب لمن يملكها لا كحق لمن يطلبها. وهذه ليست مشكلة نصوص بل مشكلة عقليات تحتاج إلى تحول أعمق.

التجربة الكندية تُعلّمنا أن القانون وحده لا يكفي. يحتاج إلى رقيب مستقل بصلاحيات حقيقية، وإلى إعلام يُحسن استعمال الأدوات القانونية المتاحة، وإلى مجتمع مدني يُراقب ويُطالب. وحين تجتمع هذه العناصر الثلاثة تتحول الشفافية من حق مكتوب إلى ثقافة حية.

خاتمة

الثورة التي لا تبني نظام شفافية حقيقيا تُخاطر بأن تُعيد إنتاج ما ثارت ضده بوجوه جديدة. واحتكار المعلومة ليس فقط مظهرا من مظاهر الاستبداد، بل هو الشرط الذي يجعل الاستبداد ممكنا ومستداما. حين تعمل اللجان البرلمانية في السر، حين لا يعرف المواطن كيف تُصنع القرارات التي تمسّ حياته، حين لا يستطيع الصحفي والباحث الوصول إلى الوثائق — يُصبح النظام الديمقراطي واجهة لا محتوى. النموذج الكندي لا يُقترح هنا بوصفه مثالا نسخيا، بل بوصفه دليلا على أن الشفافية المؤسسية قابلة للتشريع والتطبيق والتحصين. وتونس لديها الأساس القانوني لذلك — ما ينقصها هو الإرادة والآليات والثقافة.