هنا تجميع لأفكار مثيرة للتأمل كتبها د. بلال زرينة متناثرة، أحاول ترتيبها مضيفا عليها بعض المسائل للتوضيح.
في الفقه السلفي، ترك الصلاة عمدا يعتبر من أكبر الكبائر، بل من المكفّرات. قال ابن القيم في كتابه الصلاة: “لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدا من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، وأن إثمه أعظم من إثم قتل النفس، وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا، والسرقة، وشرب الخمر. وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه، وخزيه في الدنيا والآخرة. ثم اختلفوا في قتله، وفي كيفية قتله، وفي كفره.” اهـ.
وفي إحدى الفتاوى التلفزيونية لأحد مشايخ السعودية، سألته امرأة عن زوجها الذي مات وكان لا يصلي عمدا، هل يجوز أن تترحم عليه وتتصدق على روحه.. فقال: “لا تترحمي عليه، ولا تتصدقي على روحه.. لا يجوز، ولا ينفعه..”
وهذا يرد عليه من أربعة أوجه:
أوّلا: ابن قيم الجوزية يرد على ابن قيم الجوزية
قال ابن القيم في كتاب “الوابل الصيب من الكلم الطيب”: ((والظلم عند الله -عزَّ وجلّ- يوم القيامة له دواوين ثلاثة: - (في الحديث الصحيح):
- ديوان لا يغفر الله منه شيئاً: وهو الشرك به فإن الله لا يغفر أن يشرك به.
- وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئاً: وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً، فإنَّ الله تعالى يستوفيه كلَّه.
- وديوان لا يعبأ الله به: وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه -عزَّ وجلَّ- فإنَّ هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محواً، فإنه يمحي بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة ونحو ذلك. بخلاف ديوان الشرك فإنه لا يمحى إلا بالتوحيد. وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها، ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله -عزَّ وجلَّ- حرم الجنة على أهله، فلا تدخل الجنة نفس مشركة، وإنما يدخلها أهل التوحيد فإن التوحيد هو مفتاح بابها فمن لم يكن معه مفتاح لم يفتح له بابها وكذلك إن أتى بمفتاح لا أسنان له لم يمكن الفتح به)).
السؤال الذي نسأله لابن القيم: في أي ديوان تضع تارك الصلاة، وفي أي ديوان تضع قتل النفس عمداً وسارق المال؟
ثانيا: كيف نوّفق بين هاتين الآيتين؟
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ و﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾
من أجود ما قيل في التوفيق بينهما؛ أن الآية الأولى في باب الأوامر، والثانية في باب النواهي. في باب النواهي لا مجال للّعب: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق. في مجال الأوامر: ما استطعتم. صلّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب.. صم رمضان فإن كنت مريضا ولا تستطيع فالقضاء أو الفدية، وهكذا.
يوضّح هذه الفكرة حديث: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)) - متفق عليه.
نهانا عن قتل النفس البريئة وعن أكل أموال الناس بالباطل، وأمرنا بالصلاة والصيام والصدقة. مع النواهي لم يقل: فاجتنبوه ما استطعتم، بينما مع الأوامر قال: ما استطعتم.
وهذا يدل على أن النواهي أهمّ من الأوامر. فالقاتل عمداً (مرتكب نهي)، وتارك الصلاة عمدا (تارك أمر). ومرتكب النهي أشد سوءا من تارك الأمر.
ثالثا: المعاصي الأخلاقية مقدمة على المعاصي العبادية
هذه أكبر الكبائر في كلام النبي محمد، وليس بينها ترك الصلاة:
-
عن عبدالرحمن بن أبي بَكرة، عن أبيه، قال: “كنَّا عند رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((ألا أُنَبِّئُكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور - أو قول الزور))، وكان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مُتَّكِئًا، فجلَس، فما زال يُكرِّرها؛ حتى قلنا: ليتَه سَكَتَ)) - صحيح مسلم.
-
عن عبدالله بن مسعودٍ: قال رجلٌ: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: ((أن تدعو لله ندًّا وهو خلَقك))، قال: ثم أي؟ قال: ((أن تقتل ولدَك مخافة أن يطعَمَ معك))، قال: ثم أي؟ قال: ((أن تزانيَ حليلة جارك))، فأنزل الله عز وجل تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ - صحيح مسلم.
-
عن النبي (ص) أنه قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات -يعني: المهلكات- قلنا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) - متفق عليه.
يلاحظ أن النبي يجعل الأخلاق الرذيلة من أكبر الكبائر، وليس بين أكبر الكبائر ترك عبادة من العبادات عمدا وتكاسلا.
والصلاة ليست أساس الدين. أساس الدين ومفتاح الدخول إليه: الإيمان بالله وتوحيده. وترك الصلاة دون ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وأما قوله تعالى ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾، فالآية لا تخص المصلّين المؤمنين، وإنما مجموعة من الكبائر التي ارتكبها البعض ومن بينها التكذيب بيوم الدين:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾
رابعا: ترهيب تاركي الصلاة عمدا من المؤمنين خلاف منهج القرآن
ما جاء في القرآن الكريم من آيات تتوعد غير المصلين؛ في معظمها آيات مكية، تتحدث عن صلاة المشركين لا صلاة المسلمين، بل نزلت هذه الآيات قبل أن تُفرض الصلاة على المسلمين أصلاً، وبالتالي فتطبيقها على مسلم تارك للصلاة تكاسلا - من باب الترهيب - فيه تكلف شديد يأباه السياق.
-
سورة الماعون مكية، نزلت قبل أن تفرض الصلاة أصلا. والحديث فيها عن قوم مكذبين للدين؛ كانوا يصلون عند الكعبة ولا تنهاهم صلاتهم عن القسوة على اليتيم والمسكين.
-
آيات سورة المدثر مكية: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾
-
سورة مريم مكية: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾
-
سورة القيامة مكية: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾
وما جاء في القرآن هو ترغيب للمؤمنين بأداء الصلاة، بدون وعيد ولا ترهيب:
-
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ - البقرة
-
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ - هود
-
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ - الحج
-
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ - المزمل
-
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ - البقرة
-
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ - الإسراء
ومقصد القرآن من هذا النهج واضح؛ فمن يؤدي الصلاة رغبة يشعر بلذتها وحلاوتها، ومن يؤديها رهبة وخوفا تكون صلاته خاوية على عروشها وجسداً بدون روح.
وفي سورة لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. لقمان استخدم منهج الترغيب لا الترهيب: واصبر على ما أصابك من أذى الناس بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.