من المواضيع الدينية التي تثير تأملي دائما، هي مكانة الماء في الأديان..
تقريبا، لا توجد ديانة سماوية أو غير سماوية لا تقدّس الماء (أي لا تتطهر به)، أو لا تعتبره جزءا من طقوسها.. باستثناء بعض طوائف الهندوس المتطرفة التي تعتبر النجاسة مقدسة (يغتسلون بروث الحيوانات، والبول، ورماد الجثث المحروقة)..
وجميع الديانات تقريبا، تفرض الوضوء والاغتسال على أتباعها:
- اليهود لديهم فريضة الاغتسال عند البلوغ، وعند الزواج.. وفريضة غسل اليدين (netilat yadayim) قبل الأكل..
- والمسيحيون يفرضون التعميد (bapteme) على الأطفال لإعلان دخولهم للمسيحية..
- ووضوء الصابئة المندائيين للصلاة (يسمونه: الرّشامة) هو تقريبا نفس وضوء المسلمين استعدادا للصلاة: غسل اليدين والرجلين والرأس والاستنشاق والاستنثار.. ويضيفون إليها غسل الركبتين.
- والصابئة المندائية (طائفة موجودة لحد الآن في العراق) تعتبر أقدم ديانة سماوية، حيث ينسبون أنفسهم إلى خط النبوة التالي: آدم - شيث - إدريس - نوح - سام بن نوح - يحيى بن زكريا.. ولذلك تنسب إليهم طقوس التعميد التي انتقلت لاحقا إلى المسيحية عن طريق نبيهم يحيى/يوحنّا المعمدان (Jean-Baptiste). والتعميد أحد مبادئ الديانة المندائية الخمسة.. وتوجد على يوتيوب عدة فيديوهات توضح هذه الطقوس..
- في البوذية أيضا طقوس تعميد تقوم على صب الماء فوق الرأس ثم كامل الجسم..
- وفي الهندوسية لديهم طقوس تعبدية للاغتسال في نهر الغانج..
- إلخ..
في الإسلام، بحثت في تاريخ تشريع الوضوء، في القرآن ونصوص السيرة، فوجدت أن الوضوء لم يشرّع تقريبا إلا بعد الهجرة.. ولم يكن مفروضا بشكله المعروف في العهد المكي .. وإنما يروي حديث وحيد منسوب إلى فاطمة، أن النبي (ص) كان يطلب أن يأتوه بـ”الوَضوء” (أي إناء من الماء) حين يريد أن يصلي أو يدعو.. ولكن كيفية هذا الوضوء مجهولة..
ويقول الفقيه ابن حزم الظاهري: “الوضوء لم يُشرع إلا بالمدينة..”
وأما ادعاء أن جبريل علّم النبي (ص) كيفية الوضوء في بداية البعثة، فيدور تقريبا على أحاديث ضعيفة السند.. باستثناء رواية وحيدة صححها الألباني بمنهجه العجيب في تقوية الأحاديث الضعيفة والحسنة، بمفعول الآلية السحرية اللامنطقية المسماة (الصحيح لغيره، والحسن لغيره)..
ولم يُفرض الوضوء إلا في المدينة بآية سورة المائدة، في آخر سنة من النبوة (سنة 10 هـ): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة 6
ونزلت قبلها آية سورة النساء (سنة 7 هـ) لتشريع الغسل من الجنابة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ) النساء 43