لا نسخ في القرآن للشرائع السابقة..
لماذا علقت في إحدى حواراتي، منذ أيام، أنني لا أومن بوجود نسخ للشرائع السابقة، ولا أومن أصلا بوجود النسخ في القرآن حتى داخل أحكام الإسلام ذاته؟
الجواب:
حين كان النبي (ص) في المدينة، كان هناك يهود ونصارى يتعايشون مع المسلمين..
1- في إحدى المرات، أتى بعض اليهود يحتكمون إلى النبي في حالة زنا بين يهوديين.. فنزل الوحي:
فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا.. وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.. وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ.. إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ - الَّذِينَ أَسْلَمُواْ - لِلَّذِينَ هَادُواْ.. وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (سورة المائدة 42-44).
وحكم فيهم النبي بشريعة موسى.. أي الرجم.. (وهذا بالمناسبة هو دليل الشيخ د. محمد أبو زهرة، الذي أيده يوسف القرضاوي لاحقا.. في كون الرجم ليس حدا من حدود الإسلام.. وإنما هو من شريعة اليهود.. وخاص بهم..)
تصوّر أن نبيا يأتيه أتباع نبي آخر، ويطلبون منه حكم الله حسب شريعته.. فيحيلهم إلى شريعتهم ويحكم بينهم حسب شريعتهم، التي يعتقد البعض أنها منسوخة بشريعة الإسلام؟؟
الآيات واضحة الإشارة إلى أن اليهود المعاصرين للنبي محمد (ص) والباقين على يهوديتهم حتى بعد وفاة النبي (ص)، مأمورون بالتزام أحكام شريعة موسى..
القرآن يقول إن إن التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون المسلمون: موسى، ومن جاء في عصره أو من بعده من الأنبياء.. بمن فيهم محمد (ص)، انتبه!).. يحكم بها الأنبياء.. والربانيون والأحبار (يعني: علماء اليهود).. للذين هادوا (يعني : لليهود)..
ألا يدل هذا على أن شريعة موسى لم تنسخ وإنما هي باقية ومُلزِمة لليهود؟ حتى بعد نبوة محمد (ص)؟
الجواب في اعتقادي الشخصي: بلى.. شريعة موسى ليست منسوخة بشريعة محمد أو نبوة محمد.. بالنسبة إلى اليهود الذين لم يومنوا بنبوة محمد..
2- ثم تستمر سورة المائدة مباشرة بعد ذلك في بيان نفس الشيء بالنسبة إلى شريعة عيسى:
وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ.. وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.. (سورة المائدة 46-47)
نفس السياق القرآني، حين أتى اليهود يتحاكمون للنبي محمد (ص)، نبه المسيحيين إلى أنهم هم أيضا مأمورون بالاستمرار في اتباع شريعة نبيهم عيسى.. باعتبار أن الإنجيل فيه هو ايضا هدى ونور وجاء مصدّقا لما يوجد في التوراة.. وهدى وموعظة..
هذه الآيات دليل على أن شريعة عيسى ليست منسوخة بشريعة محمد أو نبوة محمد.. بالنسبة إلى النصارى الذين لم يومنوا بنبوة محمد..
3- لا يكتفي سياق الآيات في سورة المائدة بذلك.. بل يمعن في التأكيد والتوضيح:
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.. فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ.. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا.. وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً.. وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم.. فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ.. إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.. (سورة المائدة 48)
هذه الآيات تبين بوضوح أن شريعة النبي (ص) لم تأت لتنسخ شرائع موسى وعيسى.. وإنما جاءت لتنسخ شرائع الجاهلية (شرائع مشركي القبائل العربية).. لكل منكم جعلنا شرعة مختلفة عن شريعة الآخرين.. ومنهاجا مختلفا عن منهاج الآخرين..
لحكمةٍ مّا، تستوجب بقاء هذه الاختلاف والتنوع في العالم.. ليبلونا الله جميعا (أتباع موسى وأتباع عيسى وأتباع محمد).. ليمتحننا في ما آتانا من شرائع مختلفة..
ثم تستمر الآيات:
وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (سورة المائدة 49-50)
هنا بيان لكون النبي محمد (ص) مأمورا بأن يحكم بين أهل الجاهلية الذين أُرسل إليهم (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (البقرة 151).. بما أنزل الله إليه في القرآن.. وكون شريعة الجاهلية (حكم الحاهلية) متخلفة ولا تليق..
بالتالي إن كان هناك من شريعة منسوخة في القرآن، فهي شريعة الجاهلية (حكم الجاهلية) فقط.. وليست شريعة موسى ولا شريعة عيسى..
هذا ما استقر عليه رأيي لحد الآن..