غالبية الباحثين في مكمن “إعجاز القرآن”، ذهبوا إلى أن الإعجاز بلاغي بالأساس.. ومن هذه النظريات:
- نظرية القول بالصرفة (منسوبة لبعض المتكلمين في أواخر القرن 2 هـ وبداية القرن 3 وتعتبر منطلق البحث في الإعجاز القرآني، بدون ذكر اسم محدد)
- نظرية الإعجاز البلاغي - الجاحظ (القرن 3 هـ)
- نظرية النظم القرآني - عبد القاهر الجرجاني (القرن 5 هـ)
- نظرية الإعجاز البلاغي - الزمخشري (القرن 6 هـ)
- نظرية النظم الموسيقي والفاصلة القرآنية - مصطفى صادق الرافعي (القرن 14 هـ)
- نظرية الإعجاز البلاغي - محمد الطاهر بن عاشور (القرن 14 هـ)
- نظرية الوحدة البنائية - محمد عبد الله دراز (القرن 14 هـ)
- نظرية التصوير الفني في القرآن - سيد قطب (القرن 14 هـ)
- نظرية الإعجاز البياني - عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ) (القرن 14 هـ)
- نظرية الوحدة البنائية - طه جابر العلواني (القرن 14 هـ)
- نظرية مظاهر جلال الربوبية في الخطاب القرآني - محمد سعيد رمضان البوطي (القرن 14 هـ)
- نظرية الإعجاز العلمي - زغلول النجار (القرن 14 هـ)
غير أن اللافت للنظر هو موقف محمد فريد وجدي (من علماء القرن 14 هـ) الذي رأى أن الإعجاز لا علاقة له بالبلاغة.. لأن القرآن بينما وردت أوصاف كثيرة له في آياته، فإنه لم يَرِدْ فيه وصفٌ يتصل بناحية بلاغته.. واستدلّ بذلك على أن الإعجاز البلاغي الذي انشغل به العلماء ليس هو الوجه الأبرز من وجوه إعجاز الكتاب العزيز:
“أمّا ما ولع به الناس من أن القرآن معجز لبلاغته وتجاوزه حدود الإمكان، حتى وقف ذلك الإعجاز ببلاغته دون وجوه إعجازه الأخرى؛ فلم نقف له على أثر في ذات القرآن، مع أنه قد ورد ذكر القرآن في القرآن في آيات عديدة فلم يرد في واحدة منها ما يوافق ما يذهب إليه الآن الكثيرون؛ فقد وصف الله تعالى كتابه في كتابه فقال: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} {هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} {قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ} {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}. وصف الله كتابه في هذه الآيات بأوصاف كثيرة وليس من بينها واحد يشير إلى بلاغته اللفظية؛ ذلك لأن البلاغة من الصفات الثانوية التي لا يصح أن يتمدَّح بها الله في كتابه. ولو كانت البلاغة في أساس تحديه للكفار بالإتيان بسورة من سوره، أَمَا كان يشير إلى تلك البلاغة، ولو في آية واحدة وقد أتى بعشرات منها في التنويه بحقيَّته وحكمته وروحانيَّته. أليس في هذا إشارة إلى أن وجهَ إعجازهِ غيرُ البلاغة اللفظية”.
ثم أخذ يوضح ما دعاه إلى عدم اعتبار الإعجاز البلاغي هو الأهم من أوجه إعجاز القرآن، مبينًا أن “للبلاغة على الشعور الإنساني تسلطاً محدودًا لا يتعدّى حد الإعجاب بالكلام والإقبال عليه، ثم يأخذ هذا الإعجاب والإقبال في الضعف شيئًا فشيئًا بتكرار سماعه، حتى تستأنس به النفس، فلا يعود يُحدث فيها ما كان يحدثه في مبدأ توارده عليها”.
وأضاف: وليس هذا شأن القرآن؛ فإنه قد ثبت أن تكرار تلاوته يزيده تأثيرًا؛ ولكنه تسلّط على النفس والمدارك فوجب على الناظر في ذلك أن يبحث عن وجه إعجازه في مجالٍ آخرَ يكفي لتعليل ذلك السلطان البعيد الذي كان للقرآن على عقول الآخذين به”.
ويبين فريد وجدي أن علة تأثير القرآن وسلطانه على النفس، إنما هي راجعة إلى أنه “روح من الله”؛ فقال: “العلة في نظرنا واضحة لا تحتاج لكثير تأمل، وهي أن القرآن روح من الله تعالى : {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} (الشورى: 52)؛ فهو يؤثر بهذا الاعتبار تأثير الروح في الأجساد؛ فيحركها ويتسلط على أهوائها؛ وأما تأثير الكلام في الشعور فلا يتعدى سلطانه حد إطرابها، والحصول على إعجابها. فقوله تعالى {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} يكفي وحده في إرشادنا إلى جهة إعجاز القرآن، وقصور الإنس والجن عن الاتيان بمثله، وبقائه إلى اليوم معجزة خالدة تتلألأ في نورها الإلهي، وتتألق في جمالها القدسي. ذلك لما كان القرآن روحًا من الله فلا جرم كانت له (روحانية) خاصة هي عندنا جهة إعجازه، والسبب الأكبر في انقطاع الإنس والجن عن محاكاة أقصر سورة من سوره، وارتعاد فرائص الصناديد والجبابرة عند سماعه”.
ثم يوضح فريد وجدي أن هذه (الروحانية العالية) للكتاب الكريم هي التي “قلبت شكل العالم، وأكسبت تلك الطائفة القليلة العدد خلافة الله في أرضه، وأرغمت لهم معاطس الجبابرة والقساورة، ووطأت لهم عروش الأكاسرة والقياصرة؛ حت صاروا ملوك الملوك وإخوان الملائكة في مدة لا يصعب عدُّ سنيِّها على الأصابع: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}”.
وفريد وجدي مع تقريره هذا الرأي الذي ذهب إليه، لا ينكر بالطبع ما للقرآن الكريم من سمو أدبي وبلاغي ومن فصاحة فاقت ما عرفه العرب من فصيح الكلام وبديعه؛ بجانب ما فيه من أوجهِ إعجازٍ أخرى.. فيقول إنه لا مشاحة في أن القرآن فصيح وحكيم وحق وهدى ورحمة ونور وشفاء لما في الصدور.. ويضيف: “كل هذه صفات جليلة تؤثر على العقل والشعور والعواطف والميول؛ فتتحكم فيها تحكم الملك في ملكة، ولكنه فوق ذلك (روح من أمر الله) تصل من روح الإنسان إلى حيث لا تصل إليه أشعة البلاغة والبيان، ولا سيالات الحكمة والعرفان، وتسري من صميم معناه إلى حيث لا يحوم حوله فكر ولا خاطر، ولا يتخيله خيال شاعر.. إن للقرآن فوق البلاغة والعذوبة والحكمة والبيان (روحانية)؛ يدركها من لا حظّ له في فهم الكلام، وتقدير الحكمة، وإدراك البلاغة. ألا ترى أن الطفل والعامي كيف يعتريهما تهيّب عند تلاوته، ولو بغير صوت حسن؛ حتى إنهما ليكادان يفرِّقان بين ما هو قرآن وما ليس بقرآن فيما لو أراد التالي أن يغشّهما. هذه الروحانية تظهر ظهورًا جليًّا عندما تكون آية من آياته جاءت على سبيل الاستشهاد والاقتباس في صفحة كبيرة؛ فإنك ترى تلك الآية تتجلَّى لك من بين السطور وخلال التراكيب: كأنها الشمس في رابعة النهار؛ مهما كانت درجة تلك الصفحة من البيان، ومنزلتها من جمال الأسلوب وجزالة اللفظ”.
أي أن روحانية القرآن يدركها كل الناس، ويقعون تحت تأثيرها، وليس فقط أرباب البلاغة والفصاحة؛ كما هو الحال مثلاً بالنسبة لإعجازه البلاغي؛ الذي لا يدركة إلا أرباب الفصاحة والبيان.
إضافة: لقد جمعت آية عظيمة من القرآن كل ما قاله محمد فريد وجدي: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾