من الايات القرانية التي كانت تثير حيرتي، قوله تعالى في سورة يونس (93-97): « وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.. وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.. إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ”
كنت أتساءل دائما: كيف لنبي أن يشكّ وهو يتلقى الوحي، ويكلم الله مباشرة؟ ثم كيف نصل إلى الإيمان اليقيني ونحن نكتفي بالثقة في الرسول والرسالة، إن كان الرسول نفسه لديه شك؟ وما طبيعة هذا الشك: هل هو شك في الله؟ أم شك في علمه وقدرته؟ أم شك في إخباره عن أحداث الماضي؟ الخ..
ثم اطمأننت إلى تفسير حسين فضل الله، الذي يرى أن “هذا أسلوب قرآني يخاطب فيه الله نبيّه، لا ليوجّه الخطاب إليه بالذات، بل ليوجّهه إلى الأمة التي يمكن أن يضلّلها الآخرون من اليهود وغيرهم، ليثيروا في داخلها الشك والريبة حول صدق هذا القرآن، ومدى ارتباطه بالوحي، وانسجامه مع الكتب التي أنزلها الله على رسله، ليقودها ـ من خلال هذا الخطاب ـ إلى مواجهة هذا الشك بالحجة القاطعة في التأكيد على ارتباط مفاهيمه وأحكامه بما جاء في الكتاب الذي سبقه، وهو كتاب موسى الذي أنزله الله إماماً ورحمةً. أمّا كيف يثبت ذلك، فهو بالسؤال للذين يقرأون الكتاب ليتحداهم بإظهار ما يخفونه منه ليدخل في مقارنة معه.”
ومع هذا، يبقى السؤال: لماذا لم يخاطب الأمة مباشرة في هذه الحالة، كما جاء في موضع آخر: “وإن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا…”؟