من أهم الإشارات القرآنية لفكرة التنوع الإسلامي، المُبطِلة لأسطورة حديث الفِرَق المنسوب للنبي (ص) (”… وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي”)، تخصيص سورة كاملة باسم “الزُّمَر”، والحديث فيها عن أن الجنة لها أبواب متعددة، مثلما أن جهنم لها أبواب متعددة أيضا..
وهذا مجاز يشير إلى أنّ الجنة يمكن أن ندخل إليها من طرق متعددة، وأعمال مختلفة وزوايا فهم ونظر وسلوك متنوعة..
في سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا.. حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.. طِبْتُمْ، فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾
وفي سورة ص: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾
وهذه الفكرة جاءت كثيرة ومتعددة في القرآن، وفصّلتها أيضا أحاديث نبوية كثيرة..
القرآن يبيّن أن الناس يُبعثون من قبورهم إلى ساعة المحشر فرادى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ (الأنعام). ويحاسَبون فرديا: ﴿وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَرْدًا﴾ (مريم)
ولكنّهم بعد الحساب الفردي يدخلون الجنة أو النار زمراً وجماعات: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾
الزُّمرة في اللغة هي الجماعة المتخصصة بعمل واحد، تخصصا دقيقا. فمثلاً كل جزء من أجزاء البيت له مجموعة من العمال متخصصون بعمل مّا يسمّون زمرة.
فالزمرة يوم القيامة هي جماعة تخصصت في الدنيا بصفة من الصفات أو عمل من الأعمال، التي أشار القرآن إلى قيمتها الكبيرة يوم القيامة..
وهذا ربما نفهم منه أن كلّ مؤمن بالله تكون له أعمال صالحة كثيرة ومتنوعة، ولكن الله يختار له يوم القيامة ما غلب على أدائه الدنيوي أو يختار له (برحمته) أفضل أعماله في الدنيا، فيحشره في زمرة العاملين بها.
أمثلة على هذه الزمر في القرآن
01- النبيون 02- الصِّدِّيقون 03- الشهداء 04- الصالحون 05- المتّقون 06- عباد الرحمن 07- المحسنون 08- المتدبرون للقرآن 09- المنفقون (أهل السخاء والكرم) 10- الصابرون 11- أهل العدل 12- المصالحون بين الناس 13- المخلصون 14- أهل قيام الليل 15- الدعاة إلى الله 16- المهجَّرون 17- الأبرار 18- أهل الذكر 19- التائبون 20- المتحابون في الله 21- الراحمون 22- أولو الألباب 23- المجاهدون 24- إلخ..
يضاف إلى الأصناف المتنوعة من أهل الجنة، أحاديث متنوعة عن تسمية عدد من أبواب الجنة بأسماء مختلفة، تشير إلى أعمال أساسية تؤدي بأصحابها إلى الجنة أيضا: باب التوحيد، باب الرّيّان (الصوم)، باب الصلاة، باب الجهاد، باب الصدقة، باب بِرّ الوالدين، باب الذكر، باب الكاظمين الغيظ..
ثلاثة أمور هامة
هذه الإشارات القرآنية والنبوية نفهم منها ثلاثة أمور هامة:
1- الاعتراف بالتنوع الإسلامي، بل والاحتفاء بالتنوع وتكريم أهل التنوع على تنوعهم وتخصصهم، وتركيز كل فئة من فئات البشر على أعمال دون غيرها أو أكثر من غيرها..
2- أن التخصص والتركيز على نوع من الأعمال يؤدي فعلا إلى بعض الاختلال في التوازن بين مجمل الأعمال، أو إلى بعض الضمور، أو إلى أداء ضعيف أو متوسط في بعض الأعمال.. ولكنه يؤدي حتما إلى الإبداع والريادة والقيادة في تخصص من التخصصات، التي يحتاج فيها الناس إلى قادة وروّاد..
3- أن ما يؤدي إلى الجنة هو تنوع الأعمال، بقطع النظر عن اختلاف الرؤى والتصورات التي يمكن أن نختلف في تفاصيلها وجزئيتها.. وهذا على خلاف ما قام به أهل المذاهب الكلامية وأتباعهم في التركيز على الخلافات حول مواضيع نظرية مجرّدة، لا قيمة لها في الواقع العملي، من قبيل: الأسماء والصفات، كلام الله، رؤية الله، حقيقة الإيمان، ما يُدخِل الإسلام وما يَكفُر به الإنسان، البعث، الخلافة والإمامة، القدر، أفعال البشر، مراتب العبادة.. وغيرها من المواضيع والقضايا النظرية التي لا نجد أي واحدة منها من أصناف الزّمر المذكورة التي تؤدي إلى الجنة أو إلى النار..