دراسة قرآنية ممتازة صدرت حديثا للدكتور عبد الرحمن حللي.. بعنوان: “مفهوم التقوى والمنظومة الأخلاقية القرآنية: البنية والسياق”

أجد هذه المقاربة التي بدأها الباحث في دراسته حول مفهوم البِرّ (إن كانت هي نقطة البداية بالفعل)، وواصل عليها في هذه الدراسة، هي الأقرب لفهم المصطلحات القرآنية..

وهذا النوع من الدراسات هو الأقرب إلى منهجي..

ولو يسمح لي الباحث بإبداء بعض الملاحظات، بناء على ما لاحظته من اكتفائه بالبحث عن معاني المفردة، والعلاقة بينها وبين المفردات القرآنية المفتاحية الأخرى:

1- الدراسة الزمنية لاستعمالات المفردة من أهم المداخل التي رأيته اهتم بها. واعتماده على معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، من أهم ما أعجبني في دراسته. وأعتقد أن هذا هو الأسلم لو أردنا فهم القرآن عند نزوله.. بدل تفسير معاني مفرداته بما استقر عليه الرأي اللغوي بعد قرن أو اثنين أو ثلاثة قرون.

2- لم يظهر لي في الدراسة استعمالات المفردة في سياقاتها القرآنية الأوسع، يعني ما قبلها وما بعدها من قضية متكاملة.

وكمثال على ذلك: ورود (وتعاونوا على البر والتقوى) من سورة المائدة، في سياق أعمال الحج وتحريم الصيد في الأشهر الحرم، ومباشرة قبل محرّمات اللحوم العشرة..

نعم، قد يفيد القارئ استنتاج أن آية (وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) تصلح أن تتحول إلى شعار أخلاقي مستقل بذاته.. ولكن يفيد أيضا فهم المقصد من استعمالها في ذلك السياق بالذات دون غيره من القضايا القرآنية التي يمكن تذكير المؤمنين فيها بأهمية البر والتقوى (لماذا مثلا وردت في قضية الصيد واللحوم، وليس في الزواج، أو المعاملات التجارية، أو القضاء، إلخ)

3- وهذا يجرني للملاحظة الثالثة: لم يظهر لي في الدراسة، مفهوم التقوى كخلق جماعي/اجتماعي لا يتحقق إلا بالتعاون.. كما نستشعره في عديد الآيات.

وكمثال مرة أخرى: نفس آية سورة المائدة التي توحي في سياقها أيضا بأن التعاون على التقوى مطلب في العلاقات السياسية (العلاقات الدولية) مع غير المسلمين، بدليل نزولها في فترة كان المشركون هم من يديرون شؤون البيت الحرام. فجاء السياق السابق هكذا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا.. وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا.. وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ.. وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..

4- الملاحظة الأخيرة تتعلق بما أهتم به من ناحيتي منذ فترة، وهو محاولة فهم “التطور” أو البناء المفهومي التراكمي للمصطلحات داخل القرآن..

والباحث لاحظ مثلا أن التقوى ظهرت في أول سورة (سورة العلق).. وأعتقد أنه سيفيد كثيرا لو توصلنا لمنهجية تسمح بالنظر لهذه المفردة في أول نزولها وآخر نزولها، وما هي المعاني التي استقرت عليها (بداخل القرآن) في نهاية التنزيل، بعد فترة 23 سنة من الوحي.

رابط الدراسة: https://brill.com/view/journals/jie/aop/article-10.1163-24685542-12340053/article-10.1163-24685542-12340053.xml