ما معنى أن تكون مهاجرا؟ وكيف تتجدد نيّة الهجرة في نفس المسلم الذي استقرّ في أرض غير أرضه الأصلية؟

الهجرة: دلالتان متكاملتان

للهجرة معنيان: دلالة حسّية ودلالة معنوية. فهي في أصلها اللغوي الانتقال، وقد يكون الانتقال حسيّا بترك مكان لآخر، وقد يكون معنويّا بالانتقال من ثقافة إلى أخرى، أو من حال إلى حال. فمن قَدِم من بلد آخر واستقرّ به المقام هنا فهو مهاجر هجرة حسية ومعنوية. ومن كان من أهل هذا البلد ودخل في الإسلام فهو مهاجر هجرة معنوية. وبهذا المعنى، فنحن جميعا مهاجرون.

الهجرة سُنّة الأنبياء

الملاحظ تاريخيا أن الهجرة كانت سنّة من سنن الأنبياء كإحدى وسائل الوقاية من اضطهاد الكفر للإيمان في بداية دعوته. فالرسول صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة إلى المدينة. ومن قبله هاجر إبراهيم ومعه ابن أخته لوط عليهما السلام حين وقف قومه ضده وعادوه. وكذلك الحال بالنسبة إلى نوح وموسى ويونس عليهم السلام.

والقرآن الكريم صرّح بأن هجرة الأنبياء لم تكن في الواقع هجرة إلى مكان، بل كانت هجرة إلى الله، لأن المكان ليس مقصودا في ذاته، وإنما للأهداف التي تساعد الهجرة على تحقيقها مما لم يكن بالمستطاع تحقيقه في المكان الأصلي. قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (العنكبوت: 26).

وبعض المفسرين يرى أن هذا القول هو من كلام لوط وليس إبراهيم، ويستندون إلى ما قبل هذه العبارة في نفس الآية: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ، وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

الهجرة حركة إيجابية لا انسحابية

الهجرة الحسّية في الإسلام ليست حركة انسحابية فرارا من الأذى والاضطهاد. إنها في حقيقتها مجاهدة وجهاد لتغيير الواقع وإصلاحه والمساهمة في بنائه بما ينفع الناس، ولتجاوز حالة الضعف والركود. وهي سبيل لاسترداد الفاعلية والقدرة على الفعل، ومحاولة جادة للإقلاع من جديد.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ، قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ. قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا. فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 97).

الهجرة إذن حركة إيجابية، وخطة إستراتيجية ورؤية مستقبلية واختيار للموقع الفاعل، وتحوّل إلى الفعل المجدي، وتجاوز لحالات الحصار والعقم. فالمسلم الحقيقي هو الذي يغيّر موقعه ولا يغيّر هدفه، لأن الإسلام عقيدة تحررية تهدف لتخليص الإنسان من الأغلال والجواذب التي تعيق حريته وحركته. ومن ثم فإن الإسلام لا يؤتي ثماره إلا في مجتمع الحرية.

الهجرة المعنوية: تزكية النفس

أما الهجرة المعنوية، فتكون بالانتقال من ثقافة إلى أخرى، أو من حال إلى حال. وهي مرادفة لمفهوم التزكية: تزكية النفس وتطهيرها.

قال تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر: 5)، وقال: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً﴾ (المزمل: 10). فالهجرة بهذا المفهوم مراجعة لكافة الموروثات الثقافية والبنائية، واكتشاف للجوانب التي عدا عليها الخطأ أو الفساد في الفهم والتطبيق، مراجعة عملية فاعلة.

وفي الحديث: “الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ” (رواه ابن منده). وفي صحيح البخاري ومسلم: “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ”.

الهجرة لا تنقطع

لما نزلت سورة النصر وتحقق الفتح، قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: “لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا”. ثم قال لهم: “الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ” (رواه ابن عبد البر بسند صحيح).

وفي حديث آخر رواه أبو داود بسند صحيح: “لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلاَ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا”. الهجرة إذن فعل مرتبط بالتوبة، مستمرّ ما استمرّ باب التوبة مفتوحا.

تصحيح النيّة وتجديدها

نحن جميعا في حاجة إلى هجرة معنوية نهاجر فيها إلى الله، ونمارس من خلالها نقدا ذاتيا وتوبة ومحاسبة للنفس. قال تعالى: ﴿يَا أَيَّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ، وَاتَّقُوا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: 18).

هذه فرصة لتصحيح نيّة الهجرة وتجديدها في نفوسنا، حتى لا تكون الهجرة مقصودة في ذاتها، بل تكون سبيلا لما ينفعنا في الدنيا والآخرة. وعلينا أن ننظر إلى أنفسنا، ونتفقّد مساوئنا، وما علق في نفوسنا من شوائب وأمراض، فنسعى إلى تصحيحها ومعالجتها وتزكيتها.

وإذا كانت هجرة الرذائل وتزكية النفس في مجال الأخلاق والسلوك أمرا مطلوبا، فهناك أيضا مجال لا يقل أهمية يتعلق بشؤون حياتنا الجماعية: هجرة العشوائية في تسيير أمورنا، وهجرة الجدال الذي لا يُراد به حق، وهجرة تضييع الوقت بغير شيء نافع، وهجرة عدم إتقان العمل.