﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:30).

ما الغاية من حياة الإنسان؟ وما طبيعة المهمة التي أوكلها الله للبشر في هذا الكون؟

ثلاثة مقاصد كبرى

عندما نستقرئ آيات القرآن، نجد أن المقاصد الكبرى لحياة الإنسان تتلخص في ثلاثة مبادئ أصلية: التوحيد، والتزكية، والعمران. وهذه المقاصد الثلاثة مندرجة تحت مفهوم العبادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56).

فالتوحيد لبّ العبادة وأساسها. والتزكية هدف العبادة ومقصدها. والعمران مرآة التوحيد وثمرة التزكية.

ثلاث دوائر من العلاقات

هذه المقاصد تغطي ثلاث دوائر:

  • التوحيد: غاية العلاقة بين الإنسان والخالق.
  • التزكية: غاية العلاقة بين الإنسان وذاته.
  • العمران: غاية العلاقة بين الإنسان والكون المحيط به.

وهي مقاصد مشتركة لم تخلُ منها رسالة أي نبي: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل:36).

والمنظومة كلها تقوم على قاعدة أن الله هو خالق الكون والإنسان والحياة، وقد استخلف الإنسان في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها.

المقصد الأول: التوحيد

التوحيد يمثل حق الله على العباد، وبدونه لا يمكن أن يتحقق شيء من المنظومة كلها.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:25).

﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (القصص:88).

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (محمد:19).

المقصد الثاني: التزكية

رهن الله فلاح العبد وقدرته على القيام بمهمته في هذه الحياة بتزكية نفسه. والتزكية تعني الإصلاح والتطهير والنماء. وهي نوعان: تزكية معنوية ميدانها المعتقدات والقيم، وتزكية مادية مادتها النظم والتطبيقات.

وتتم على ثلاثة مستويات: الفرد، والجماعة المؤمنة، والإنسانية. وتهدف إلى إصلاح الفرد والجماعة وحمايتهما من مرضَي “الطغيان” و”الاستضعاف”، وتنمية حالة “الوسطية” التي تمثل العافية النفسية والسلوكية والاجتماعية.

﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (النازعات:17-19).

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة:143) — أي زكّاكم حتى صرتم أمة عادلة معافاة من مرض الطغيان في قيادتها ومرض الاستضعاف في جماهيرها.

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس:7-10).

والحساب يوم القيامة مرهون بمدى تزكية كل إنسان لنفسه: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى… وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى﴾ (طه:75-76).

التزكية إذن مطلب يومي: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ (الانشقاق:6).

المقصد الثالث: العمران

العمران ثمرة التزكية القائمة على التوحيد. والإنسان وُجد ليعبد الله ويخلفه وينصره ويعمر أرضه. والاستخلاف والنصرة والإعمار كلها وجوه لهذا المقصد.

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة:30).

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود:61).

﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف:129).

﴿وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد:7).

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ (الصف:14).

والختام يضع المعيار: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص:83).