نقطة البداية: لماذا الخوف من الله؟

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 57-61]

من أهم ما يحتاجه الإنسان في تربية نفسه أن يربّيها على الخوف من الله. والمبدأ بسيط: كلما عَظُم الشيء في نفسك، عشت الهيبة له أكثر. الإنسان بطبيعته يخاف القويّ ويحذر من إغضابه. فكيف إذا كان القوي هو الله، الخالق القادر الذي له القوة جميعا والعزة جميعا، المهيمن على الأمر كله؟

ألا نقول حين نشعر بالضعف: “لا حول ولا قوة إلا بالله”؟ وحين نواجه المخاوف: “إنا لله وإنا إليه راجعون”؟ هذه ليست عبارات آلية، بل هي تعبير عن استحضار عظمة الله في لحظات الحقيقة.

المعصية: حين تغيب العظمة

حين يستحضر الإنسان عظمة الله فيتطلع إلى أسرار خلقه في الكون، يعظم الله في نفسه ويصغر ما دونه في عينه، وعندها يتولّد الخوف الحقيقي.

قد يعصي الإنسان ربه من أجل زوجة أو أولاد، أو شهوة طغت في لحظة، أو أناس يملكون مالا أو جاها. والسبب واحد: لم تتربَّ عظمة الله في النفس.

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41]

الخوف من الله هو أن تراقبه حين تدعوك نفسك الأمّارة إلى معصيته. أن توازن بين حجم الجنة وحجم ما تحصل عليه من هذا الشخص أو ذاك. أن توازن بين الشهوة العابرة وغضب الله الذي لا تقوم له السماوات والأرض.

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67]

وقال ﷺ فيما رواه البخاري: “يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟“

الخشية الحقة والخشية الزائفة

الخشية الحقيقية هي التي تحمل على العمل وتدفع صاحبها إلى الطاعة وتنفّره من المعصية. هي التي تربّي القلب حتى لا يفرّق بين معصية كبيرة وصغيرة، فلا ينظر إلى صغر المعصية بل إلى عظمة من عصى.

والناس في خوفهم متفاوتون. خوف العلماء في أعلى الدرجات لأنه مقرون بالمعرفة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. والخشية أخصّ من الخوف: الخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين. قال ﷺ: “إني لأعلمكم بالله وأشدّكم له خشية”.

ثلاث وسائل عملية

أولا: المداومة على تدبّر القرآن

قراءة القرآن وتدبّره بصورة دائمة تساعد على تثبيت الفؤاد وتزرع الإيمان وتزكّي النفس وتقوّي المؤمن أمام الفتن. وعلى وجه الخصوص: تدبّر مشاهد القيامة، ووصف النار والجنة، والآيات الدالة على جلال الله وعظمته.

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32]

ثانيا: التفاعل مع الآيات الكونية

مشاهدة حياة النبات والحيوان والإنسان وكل ما في الكون من دلائل على قدرة الله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]

ومن التفاعل مع الآيات الكونية ألّا نقف عند الأسباب الظاهرة بل نردّها إلى مسبّبها. روى الشيخان عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا رأى غيما أو ريحا عُرف ذلك في وجهه. فقالت عائشة: يا رسول الله، أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية. فقال: “يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذّب قوم بالريح”.

ثالثا: تدبّر قصص الأنبياء والصالحين

﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: 120]

ثبات موسى حين قال أصحابه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فأجاب: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. واستحضار يوسف لمخافة الله حين راودته امرأة العزيز عن نفسه.

الغياب الخطير

استحضار عظمة الله وخشيته ومراقبته غابت عن قاموس كثير من الناس. غابت في تعاملنا مع أنفسنا ومع الناس، في أقوالنا وأفعالنا، في بيعنا وشرائنا، في تربية أبنائنا، في أدائنا لوظائفنا، في حياتنا كلها.

قال الحسن البصري: “لقد مضى بين يديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عَدَد هذا الحصى لخشي ألا ينجو من عظم ذلك اليوم”. وقال: “المؤمن جمع إيمانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا”.

المسلمون الأوائل عاشوا مشاهد الآخرة كأنهم يرونها حقيقة. لم يكن في نفوسهم استبعاد لذلك اليوم، بل كان يقينهم به واقعا تشهده قلوبهم وتتأثر به وتستجيب لمرآه. ومن ثَمّ تحوّلت نفوسهم ذلك التحوّل وتكيّفت حياتهم بطاعة الله.