﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (البقرة:269).
كثيرا ما يشغلنا فهم الأحداث والقضايا المحيطة بنا. وكل يوم نواجه أسئلة في العمل والحياة اليومية لا نجد لها معلومات مباشرة ولا خبرات كافية. فنجتهد في تقديرنا ونستعين بما وهبنا الله من خبرة وحكمة وفراسة، ونتّبع إشارات غامضة. وقد نوفَّق وقد لا نوفَّق.
والاستخارة في جوهرها استعانة بتلك البوصلة المغروسة فينا: بعد الصلاة والدعاء، نتّبع ما يشرح الله له صدورنا للتمييز بين الصواب والخطأ.
طوفان المعلومات وفراغ الفهم
باتساع خدمات الإعلام والإنترنت، لم يعد ينقص الناس وسائل الحصول على المعلومات. لكن هذه الوفرة أوجدت حاجة ملحّة جديدة: تحليل ما يتدفق وتنظيمه معرفيا والوصول إلى ترجيح رأي.
لم يعد التحليل ترفا فكريا لفئة متخصصة. فجماهيرية وسائل الإعلام جعلت الفهم عملا جماهيريا أيضا. وكشفت هذه الوفرة عن عجز كثير من الإعلاميين والمحللين عن الفهم الحقيقي: مؤهلاتهم السابقة لم تتجاوز سبقهم في معرفة المعلومة قبل الناس أو اطلاعهم على مصادر أجنبية كانت بعيدة عن متناول الجمهور. أما الآن فالجميع متساوون في الحصول على الخبر.
الإسلام: ليس أجوبة جاهزة بل تفاعل مع الواقع
كثير من المثقفين المسلمين يظنون أن الإسلام يقدم نظريات شاملة جاهزة، وأن الاجتهاد مستمد فقط من فهم النصوص ودراستها. لكن النظام الإسلامي تفاعل إيجابي بين الفكر والعقيدة والواقع والبيئة والمتغيرات. لذلك فإنه ينمو ويتجدد ويضمر ويتراجع حسب حال البيئة المحيطة.
الإسلام يقدم أسسا ومرجعيات وبناء أساسيا في الاعتقاد والدافعية والتهذيب، وقواعد عامة تصلح لبناء نظام صحيح. لكن النظام لا يُبنى بمجرد الحصول على مكوناته — لا بد من تفاعلها. اجتماع الهيدروجين والأوكسجين لا يعني بالضرورة تكوّن الماء: لا بد من شروط وبيئة تؤدي إلى تفاعلهما.
الحكمة موجودة، والمسألة في اكتسابها
الحكمة موجودة ومتاحة. لكن المسألة في القدرة على تحصيلها. والإنسان يدرّب ملكاته ويطوّرها ويهيّئ نفسه لاستيعابها.
يحدث كثيرا أن عبارة نقرأها أو نسمعها تمنحنا منهجا يغيّر فينا أكثر بكثير مما يظن صاحبها. وكتب كثيرة تدلّنا على مواضع للفهم ليست في الكتاب نفسه وربما لم تخطر ببال المؤلف. الحِكم والأفكار تتفاعل في شبكة من المسارات غير المحدودة — كالماء الذي يسقط من السماء فيجد أنواعا مختلفة من الأرض والبذور، فتختلف الزروع والثمار.
في التفاعل تحدث متوالية تُضاعف النتائج: ما تحصل عليه ليس مجموع المعطيات بل حاصل ضربها. وقد تتجه نحو محصلة سالبة تُنقص من قيمتها.
والأمر ليس حتميا. الإنسان يقدر على توظيف ملكاته الفكرية والروحية وتطويرها كما يدرّب جسمه. وإذا لم تُطوَّر هذه الملكات فإنها تضمر كما يضمر الجسم ويترهّل.
الاستماع: أساس الحكمة
كما يكون الاستماع أساس التعلم، فإنه أيضا أساس اكتساب الحكمة.
الحكمة تحلّ في اللغة التي تستوعبها وتحوّلها إلى رموز. والصوت يستوعب اللغة وينقلها. والاستماع وسيلة الإنسان لاستقبال الصوت وفهمه. ويتسع الاستماع ليشمل القراءة — فالقراءة استماع — والتأمل والنظر والتفكير استماع للصمت ومحاولة لالتقاط الحكمة من الكون.
تأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:37).
وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال:21).
وقوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (الأعراف:179).
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ (الأنعام:36).
الصلاة كتمرين على الاستماع الداخلي
في الصلاة والدعاء والتلاوة نتجه إلى الداخل في هدوء، وفي أصوات تنظّم أنفاسنا. نستمع لأنفسنا ونتحدث لنسمع. والتلاوة مهما كانت سرية يجب أن تكون تلفّظا نسمع به أنفسنا — فقد أصدرنا طاقة متموّجة أطلقناها في الفضاء لتمضي بلا انقطاع.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً﴾ (الإسراء:82).
الأزهار والنحل
يُقال دائما إن الأزهار متاحة لجميع الكائنات، ولكن النحل وحده يصنع منها العسل.
المعرفة والحكمة تمرّ بمراحل: تراكم، ثم استيعاب، ثم تفاعل — لتكون المحصلة إبداعا. لكنها في الحقيقة ليست نهائية، بل حلقة في دائرة مغلقة تتحول فورا إلى تراكم جديد، في جدلية غير منتهية يُفترض أن يقترب بها الإنسان من الصواب والحكمة.
فلنستمع. وسنجد الحكمة التي نبحث عنها.