قيلَ للنَّبيِّ (ص): يا رَسولَ اللهِ! إنَّ فلانةَ تقومُ اللَّيلَ وتَصومُ النَّهارَ وتفعلُ، وتصدَّقُ، وتُؤذي جيرانَها بلِسانِها؟ فقال رسولُ اللهِ: لا خَيرَ فيها، هيَ من أهلِ النَّارِ. قالوا: وفُلانةُ تصلِّي المكتوبةَ، وتصدَّقُ بأثوارٍ، ولا تُؤذي أحدًا؟ فقال رسولُ اللهِ: هيَ من أهلِ الجنَّةِ.
(رواه أبو هريرة، صحيح الأدب المفرد).
الحديث موافق تمامًا لروح القرآن ورؤيته، ويقرِّر قاعدة قرآنية كبرى: صلاح العبادة يقاس بثمرتها الأخلاقية والاجتماعية، وأنّ الأذى يُحبط ثواب العمل ويُنزِل صاحبه الوعيد، ولو كثرت نوافله.
والمبدأ القرآني هو أن الدين عبادةٌ تُهذِّب اللسان وتكفّ الأذى؛ فصلاح العلاقة مع الناس—وخاصة الجيران—جزءٌ من تقوى الله، ونوافلٌ بلا خُلُقٍ لا تنفع صاحبها.
دلائل قرآنية واضحة: 1- حقوق الجار والإحسان إليه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36]؛ الإحسان مأمورٌ به، فإيذاء الجار باللسان ضدّ مقصود الآية. 2- الأذى يُذهب أجر الصدقة والعمل: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: 263]، ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264]. 3- تحريم أذى المؤمنين والغيبة واللمز: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ… فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]، و﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]. 4- مقصد الصلاة تهذيب السلوك: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]؛ فمن يُؤذي لسانُهُ جيرانه لم تُثمر عبادته أثرها المقصود. 5- قبول العمل مرتبط بالتقوى والصدق لا بالمظاهر: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]، ووصفُ البر في [البقرة: 177] يجمع بين الشعائر والخلق والوفاء.