ارتبط مصطلح “الشهيد” في الموروث الجماعي بالصفة التي تطلق على من يُقتَل مجاهدا في سبيل الله، ثم توسع المعنى ليشمل أيضا الموت في سبيل الوطن، لتظهر بعد ذلك توجهات لمزيد توسيع الدائرة لتشمل كل من يُقْتَل مظلوما وهو يدافع عن عرضه أو ماله أو أهله، والمطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم أيضا شهداء.

أغلب المرجعيات المعتمدة في هذا التوسع هي مرجعيات دينية تستند إلى أحاديث، ولا وجود لأي آية قرآنية تصف أيا من هؤلاء القتلى أو الموتى بأنهم شهداء.

في العصر الحديث وفي المجتمعات التي تعيش صراعا وجوديا بين تيارات دينية متشددة ومتشبثة بالتفسير السلفي للدين وبين تيارات حداثية متحررة ومشككة في قداسة القرآن، ظهرت فجأة تجاذبات مثيرة ومزايدات بين هذين الشقين المتصادمين لكي يحتكر كل منهما صفة الشهيد يطلقها عمن يرضى عنه وينكرها عن خصمه.

لو قرأنا القرآن من اوله إلى آخره لا نجد أي قتيل في سبيل الله سماه الله شهيدا.

﴿قال تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.﴾

﴿وقال: وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ.﴾

﴿وقال: فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.﴾

﴿وقال: مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا.﴾

﴿وقال عن النبيء محمد: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.﴾

هذه عينة من الآيات يذكر فيها الله تعالى من يقتلون في سبيل الله ولا يصفهم بالشهداء.

في المقابل ورد لفظ ” شهيد” أو “شهيدان” أو “شهداء” دائما في سياق من يشهد أمرا أو حدثا.

قال تعالى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ. وقال: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}.

وقال: وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد.

من هو الشهيد إذن بحسب القرآن؟ هو من يشهد صحة وحقيقة حادثة خاصة أو من يشهد على آيات الكون فيكتشف حقيقتها ويخبر بها الناس ويساعدهم على ادراكها… من يفعل ذلك؟ أليسوا هم العلماء الذين يكتشفون قوانين الكون فيطورون حياة الإنسان ووسائل تنقله وتواصله وظروف معيشته ويكتشفون الأدوية واللقاحات لمعالجة الأوبئة والأمراض؟ هؤلاء هم الشهداء بحسب القرآن.

﴿قال تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.﴾

لقد عدد الله صفات اهل الجنة في هذه الآية من سورة النساء فذكر النبيين وهم الذين أوحى الله اليهم، والصديقين وهم الذين لم ينزل عليهم وحي الهي ولكنهم صدقوا النبيين الذين أوحي اليهم، والشهداء وهم العلماء الذين اكتشفوا نواميس الكون وافادوا البشرية واستخدموا عقولهم وطوروا أساليب المعرفة لصالح الإنسان والكون وليس لتدميره وتخريبه، والصالحين وهم كل الذين يعملون الصالحات ويتجنبون الظلم.

ألم نتساءل لماذا لا نجد اثرا تاريخيا واحدا يطلق صفة شهيد على حمزة بن عبد المطلب أو على عمر بن الخطاب أو عثمان أو علي او مصعب بن عمير أو غيرهم من الصحابة الذين قتلوا في عهد النبيء أو بعده؟

الشهيد مصطلح اصبح يطلق على من قتلوا بعد الفتنة الكبرى في معرض تطويع الدين في المعركة السياسية على الحكم ولأنهم كانوا يعجزون عن تحريف القرآن فقد دلسوا أحاديث نسبوها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لوصف القتلى بالشهداء.

الشهيد ليس من يقتل في سبيل الله ولا في سبيل الوطن، فهؤلاء لهم مكانة عظيمة في نفوس أبناء دينهم وأبناء وطنهم ولا شك، وهم مخلدون في الضمير الجمعي للأمة ووعد الله المؤمنين الصادقين منهم أجرا عظيما اعظمه انهم ليسوا امواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله، ولكن الشهيد هو العالم المؤمن الذي يشهد حقيقة قوانين الكون التي أودعها الله وافلح في استخدام ملكة التفكير والعقل التي حباه بها الله لخدمة الإنسانية وليس لتدميرها..

هؤلاء هم الشهداء بصريح القرآن الذين يكونون مع النبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا، نسأل الله أن نكون واياكم من بينهم.

(بقلم: الأستاذ أكرم الزريبي)