في صحيح مسلم: مُرَّ بجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقالَ نَبِيُّ اللهِ (ص): وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ. وَمُرَّ بجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقالَ نَبِيُّ اللهِ (ص): وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ. قالَ عُمَرُ: فِدًى لكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَمُرَّ بجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ؟ فَقالَ رَسولُ اللهِ (ص): مَن أَثْنَيْتُمْ عليه خَيْرًا وَجَبَتْ له الجَنَّةُ، وَمَن أَثْنَيْتُمْ عليه شَرًّا وَجَبَتْ له النَّارُ. أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأرْضِ.
الحديث مروي في كتب الصحاح عن أنس بن مالك وأبي هريرة وآخرين.
وهو يلفت الانتباه إلى أن حكم الله يوم القيامة يعتمد على قياس أداء الفرد في الدنيا، وقياس الأداء في الآخرة يعتمد على درجة رضى الجماعة على أداء الفرد في الدنيا.
أليس هذا عجيبا؟
في الحقيقة، هذا ينسجم تماما مع علوم الإدارة التنظيمية الحديثة.. وهو ما يطبّق حاليا في مجال قياس الأداء التنظيمي للأفراد. من خلال تقنية ما يسمى Feedback360. والتي تتلخص في كون المدير أو المسؤول لا يقيس أداء الموظفين بنفسه، وإنما يتركهم يحكمون على أنفسهم بأنفسهم.. وهو ما يستعمل في تقييم الأداء السنوي للموظفين.
وهذا يقتضي درجة من النضج الفردي والتنظيمي تسمح للموظف أن يقيّم زملاءه حسب معايير أداء موضوعية ودقيقة متعارف عليها. وتسمح أيضا بقبول تقييم الموظف لزملائه بناء على درجة من الثقة في عدله وإنصافه وقدرته على رؤية أهداف المنظمة، ودور مل موظف في عمل الفريق، والقدرة على متابعة إنجازات الزملاء، ومظاهر الخلل القابلة للإصلاح والتطوير، ومسؤولية الفريق ومسؤولية كل عضو في الفريق، والعوامل المؤثرة في الأداء سواء كانت ذاتية، نفسية، معرفية، أو جماعية متعلقة بديناميكية الفريق، أو عوامل خارجية متعلقة بالمحيط المهني أو الاقتصادي أو الثقافي أو السياسي أو الاجتماعي أو الأسري، إلخ..
بحيث يمتلك الموظف القدرة على تقييم أداء الآخرين “على بصيرة” وبمعرفة وأدوات سليمة للتقييم، تحميه من الوقوع في التحيزات التي تعمي البصيرة، فتوقع صاحبها في تهوين الأخطاء، أو تضخيمها.
الله تعالى يقبل شهادة المؤمنين للحكم على الفرد، طالما أنهم ملتزمون بالوصايا العشر التي تضع الجماعة المؤمنة على الصراط المستقيم:
- وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ (سورة الأنعام)
- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (سورة النساء)
وهذا يعني أن تقييم الآخرين مسئولية اجتماعية، ولا يصبح ذا قيمة فعلية إلا إذا بني على جملة من الخصائص، منها:
والتثبت والتبيّن قبل إصدار أي حكم، وحسن الظن بالناس، وتحميل الكلام حسن المحمل. وعدم نشر سيئات المخالف، وترك حسناته. أن يكون النقد موجهاً للرأي وليس لصاحبه ذاته. ترك المجادلة. الحكم على الظواهر، وعدم التعرض للنوايا.
1- تحري الصدق والأمانة والدقة 2- المعرفة الجيدة بالقانون المرجع وحدود المسؤولية 3- القدرة على البحث والتحقيق والتثبت 4- القدرة على صياغة الأحكام الانطباعية بوضوح وأدلة منطقية مقنعة 5- الالتزام بقواعد المنطق السليم، وتجنب المغالطات المنطقية 6- القدرة على صياغة أحكام تصمد أمام التدقيق والتثبت من قبل الآخرين. 7- تحري العدل والإنصاف 8- القدرة على الاستماع وطرح الأسئلة حسب الحاجة 9- التجرّد من الهوى وحظوظ النفس ونزعات الانتصار لعصبية ما 10- التجرد من مشاعر الكراهية والرغبة في التشفي والانتقام، ومشاعر التعلق المؤدية للانحياز.
هذا ينطبق في المجال الديني.. ولكنه ينطبق بنفس الشكل ونفس المعايير في المجتمع المدني الديموقراطي..
قيمة الحكم على أداء هذه السياسي أو ذاك، تعتمد أساسا على درجة نضج الجماعة التي تقيس الأداء.. والتأكد من أن تقييمها ليس اتباعا للهوى، وإنما قائم على معايير موضوعية، يلتزم بها الجميع لتحقيق العدل والإنصاف.
في غياب ذلك، لا قيمة للتقييم ولا لقياس الأداء، ولا للأحكام الإطلاقية، ولا معنى لمفاهيم الأغلبية والأقلية..