وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ _ سورة البقرة
الحقيقة الإلهية ببساطة وعفويّة، بدون تكلف أو تعقيد..
الله هو إله جميع البشر.. جميع أهل الأديان.. وضعف كل ما في الكون وسيره إلى الفناء، لا يجعل لأية قوّة مجالاً للاستعلاء الذي يرتفع إلى مستوى الألوهية.
أمّا رحمته المتسعة عرضًا (الرحمن)، وعمقًا (الرحيم)، فهي الصفة المطلقة التي لا يريد الله لنا أن نستحضر اسمه إلا معها (في سورة الفاتحة المكررة يوميا، وفي البسملة مفتتح أي عمل وأي نشاط يومي)، فهي تذكير دائم في كلّ مظهر من مظاهر النعمة والرعاية والعناية بالإنسان، وفي كلّ ما يحيط به من أوضاع تتصل بحياته ومماته، ويقظته ومنامه، وأكله وشربه، وملبسه وملذّاته..
فالحياة رحمة.. والعقل رحمة.. والتنفس رحمة.. والسمع رحمة.. والبصر رحمة.. واللمس رحمة.. والشم رحمة.. والحركة رحمة.. والسكون رحمة.. والكلام رحمة.. والصمت رحمة.. وكل عضو من أعضاء الجسم رحمة.. وكل وظيفة من وظائف الجسم رحمة.. والطعام رحمة.. والشراب رحمة.. والتخلص من الزائد منهما رحمة.. واللباس رحمة.. وكل قدرة على التعلم رحمة.. وكل قدرة على الاختيار رحمة.. والخلق من ذكر وأنثى رحمة.. والأمومة رحمة.. والأبوة رحمة.. والأسرة رحمة.. والجوار رحمة.. والمجتمع رحمة.. والإنسانية رحمة.. والأرض رحمة.. وكل ما فيها من كائنات عاقلة وغير عاقلة، من حيوان ونبات وجماد، رحمة..
وهكذا فالآية تعطي صورة واضحة على انطلاق الخَلْق كلّه من موقع الرحمة التي تريد أن تبني الإنسان على أساس الرحمة، وتصحبه في كل جوانب حياته بالرحمة.. ليعمل النّاس على الوصول إلى هذا الهدف الكبير في نهاية المطاف.. من خلال السلوك إلى الله وأداء المهمة والوظيفة التي خلقه من أجلها.. وظيفة الاستخلاف في الأرض (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً).. بما تحمله من حرية الإرادة، وحرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية الاختيار وحرية التصرف، وحرية القول وحرية العمل.. وبما تعني في نفس الوقت من تكليفٍ ومسؤولية ومساءلة ومحاسبة وتحمُّلٍ للنتائج أمام الله (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ. إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا).
وهذا العرض يبدو مجرد استعارة، بحيث تكون الفكرة أن المسؤولية التي يتحملها الإنسان، في ما يواجهه من مسءلة ومحاسبة أمام الله، هي من الثقل بحيث لو عرضها الله على هذه المخلوقات لرفضتها خوفاً منها، فنزل ذلك منزلة العرض الواقعي، (فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) لما يترتب على ذلك من عقاب إِلهي على الانحراف عن أوامر الله ونواهيه، وعلى التعدي على حدود الله التي ترسم إطار التكليف.. مما لم تر بقية المخلوقات في نَفْسها قدرةً على تحمّلها (فَقَالَ لَهَا وَلِلاَْرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ).
فالاستخلاف وظيفة ليست سهلة، بل فيها جهد ومشقة ومعاناة وكدح ونجاح وفشل، وصواب وخطأ، وامتحان، واختبار، ومعوقات وإحباطات، ومطبات، وآلام وأحزان، وعذابات وأمراض.. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾.
ولكن الله برحمته، أودع في الإنسان (كفرد وجماعة) عوامل القدرة والإرادة والاختيار.. ووفر له الظروف الملائمة لتطوير ملكاته ومهاراته، ووفر له الأدوات التي تسمح له بأداء المهمة (وَحَمَلَهَا الإِنْسَان).. ومن تكاسل أو تقاعس عن ذلك، فمن الطبيعي أن ينحرف عن الهدف والغاية.. ومن الطبيعي أن ينحرف عن الصراط المستقيم.. (إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً).. ظلم نفسه بالانحراف عن الخط. وجَهِل موقعه ومسؤوليته، بسبب الغفلة والتقاعس.. وهذا هو المعنى الأسلم، خلافاً لما فهمه البعض بأن حمل الإنسان للأمانة كان “ناشئاً” (قبل أو اثناء عملية الخَلْق) من ظلمه لنفسه وجهله بنتائج ما يختاره ويتحمله من المسؤولية..