تجديد النظر والفهم للقرآن أمر ضروري لعدة أسباب:
1- القرآن يفترض أن يستجيب لمطالب الأجيال المتتالية بعد عصر النبوة، فيمنحها منهجًا وآلياتٍ ووسائلَ وطرقًا لعلاج المشكلات الحادثة..
2- إعادة النظر في القرآن على ضوء المشكلات الجديدة سنّة ثابتة في التاريخ الإسلامي. فالنبي (ص) فسَّر القرآن معالِجًا مشكلات واقعية هي مشكلات جيل التلقي.. وهذا التفسير مرصود في كتب السنّة النبوية، فالبخاري عنده فصل في صحيحه بعنوان (باب التفسير)، دوّن فيه نشاط النبي (ص) في تنزيل القرآن على مطالب واحتياجات العصر الأول..
لكن، في زمن الصحابة وبعد وفاته، نجد أنهم لم يكتفوا بما عرفوه من تفسير النبي (ص) للقرآن، بل أخذوا يضيفون إلى ذلك تفسيرًا خاصًّا بهم، عُرف لاحقا باسم (تفسير الصحابة).. وهذا يعني أحد أمرين:
- إمّا أن ما تركه النبي (ص) من تفسير كان ناقصًا؛ وهذا أمر محال..
- وإما أن ثمة جديدًا حدث، دفعهم ليعاودوا النظر في كتاب الله على ضوء مستجدات الواقع الجديد..
وهذا هو السبب المقبول لظهور (تفاسير الصحابة) بعد التفسير النبوي.. وأيضًا لظهور (تفاسير التابعين) بعد تفاسير الصحابة. وكذا لظهور كتب متعددة من التفاسير في كل جيل لاحق بعد الجيل السابق.. حتى يومنا هذا.
فظهور تفاسير جديدة متتالية لا يعني قصور التفاسير السابقة، وإنما يعني أن جيل اللحظة الراهنة من حقه أن يستخرج مطالبه وحلَّ مشكلاته من القرآن الكريم؛ وهذا لا يكون إلا بقراءة متجددة للقرآن.
3- علماء القرآن يقررون أن النشاط التفسيري قائم على أمرين اثنين:
- أولهما ثابت لا يتغير، وهو تفسير القرآن بموجب قواعد اللسان العربي.. وقواعد اللغة عادةً لا تتغير..
- وثانيهما، هو قواعد الزمان. وابن عباس له قول مهم، هو أن “القرآن يفسّره الزمان”.. أي أنّ على كل جيل من أجيال المسلمين المتلاحقة أن ينظر في القرآن على ضوء مشكلات زمانه وعصره.
فمن حيث مقتضيات العقل وموجبات أصول التفسير، نحن بحاجة إلى تدبر جديد للقرآن.
4- من أهم الضوابط التي ينبغي الالتزام بها حتى نُبقي على أصالة النص القرآني ومعاصرته في آن واحد؛ أي بعيدًا عن تجميد النص أو تجاوزه:
-
الضابط الأول: يتعلق بكون القرآن (كلاما)، من أول الصوت إلى النص.. وهذا الكلام عربي؛ فينبغي أن يُفهم في ضوء ما تمليه قواعد اللغة العربية، من حيث الدلالة والاشتقاق وغير ذلك.
-
الضابط الثاني: يتعلق بكون القرآن (كلام الله)، أي يُفهم في ضوء كونه وحيًا مُنزَّلاً من الله، وليس مجرد كونه (كلام)..
-
الضابط الثالث: هو تحديد مقاصد القرآن..
-
الضابط الرابع: عدم مخالفة إجماعات القرآن..
(ملخص حوار مع د. خالد فهمي، أستاذ اللغويات بمصر).