في بداية سورة الجمعة:
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ..﴾
ليس في الحياة نعمة أعظم من نعمة العقل والقدرة على فهم الأمور، بمنطق سليم.. فضل الله يؤتيه من يشاء.. ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا..
تلاوة القرآن والعودة إليه يوميا، باختيار السور أو مقاطع الآيات أو الشواهد المتعلقة بما تعيشوه من ظروف وأحداث وسياقات شخصية أو اجتماعية أو وطنية أو دولية، تمنحك علامات (repères) لاتخاذ الموقف المبدئي الأخلاقي السليم، والمنسجم مع قواعد المنطق السليم، فيشحنك بطاقةٍ قوية، ويمنحك طمأنينة عالية، وتزكية روحية من شوائب الحيرة والاضطراب، والشعور بالعجز، والفشل، والخوف والقلق من المستقبل المجهول.. فترى الأمور بتنسيب:
1- الإيمان بإله وخالق ومدبر للكون، حكيم، عليم، ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَآ أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ﴾ قادر، غفور، رحيم، عدل لا يظلم مقدار ذرة.. ولا يؤوده حفظ السماوات والأرض وهو العلي العظيم..
2- الإنسان ضعيف، مهما علا وطغى وتجبر واستبد مالا ونفوذا.
3- الإيمان باليوم الآخر، ووجود حساب دقيق وعادل عن كل مثقال ذرة، تعويضا عن كل ظلم واعتداء وتضليل وتدليس وعجز بشري عن إقامة العدل في ما بينهم.
4- كل نفس بما كسبت رهينة، فهي مطالبة ببذل جهدها بدون انتظار للنتائج في الدنيا.
5- ما تراه خيرا من زاويتك الشخصية، قد يستبطن شرا من زاوية أخرى لا تراها، أو من زاوية المشهد العام المتعدد الأبعاد.. والعكس أيضا.. وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا وهو شر لكم.
6- الحياة هي فعل مقاومة بالأساس.. فالحياة مقاومة للموت، والحركة مقاومة للسكون، والمعرفة مقاومة للجهل، والكلام مقاومة للصمت، والأمل مقاومة لليأس، وامتلاك القوة مقاومة للضعف، وتنمية القدرات مقاومة للعجز، والمشاركة الفاعلة في المجتمع مقاومة للسلبية الاجتماعية، والدفع نحو التقدم للأمام لبناء المستقبل مقاومة للتخلف بمكبلات الماضي..
7- الغاية في الحياة هي أن تسعى لأن يكون كل عمل تعمله يوميا عملا صالحا، مفيدا نافعا للمجتمع.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾
وهذا يعني أن تسأل نفسك في كل عمل وكل موقف وكل سلوك، بوعي وعدم غفلة: هل ما أفعله صالح ومفيد أم لا..
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾
8- الصبر وعدم التذمر قيمة عليا يجب استصحابها في الحياة اليومية، في التعلم، والتأمل والمتابعة الاحداث والبحث عن الموقف السليم تجاهها.. لأن العمل الصالح هو جهد بناء وجهة مقاومة.
9- التنوع الانساني، وتعدد الثقافات والافكار، واختلاف الناس في الفهم والإدراك، أمور مقصودة وضعها الله، لخلق فضاء إنساني يسمح بالتدافع والتعلم من خلال تجربة الخطأ والصواب، مما يؤدي لنشأة الخير والشر، والعدل والظلم، والجمال والقبح، والقوة والضعف..
وهذا هو ما يخلق فضاء الحرية والاختيار. واللاإكراه..
﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾
10- كل يوم، بل كل ثانية في الحياة تشهد عددا لا يحصى من الأفعال والأحداث، تغير المعادلة الكلية للمجتمع والعالم والكون، وتنصهر كلقطة فوتوغرافية (snapshot) للواقع، تتحول إلى ظروف جديدة تؤخذ بعين الاعتبار، لتغيير الواقع في اتجاه جيد او اتجاه خاطئ.
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾
11- مسار الانسان، فردا ومجتمعا، من الطفولة إلى الشيخوخة، ومن المهد إلى اللحد، ليس مستقيما دائما. بل تعتريه انكسارات وعراقيل وأخطاء وانحرافات ونقص وضعف وجهل وقلة خبرة… وكل يوم جديد يمثل فرصة للتمادي في الانحراف والخطأ أو مراجعة الذات وتصويب المسار.. وليس أسهل في الحياة اليومية من الانحراف، والخطأ.. جرب أن تترك مقود السيارة للحظات وستراها تنحرف تدريجيا.. جرب التراخي في مهامك، وسترى كيف يتحول النظام الى فوضى، والنظافة الى وسخ.. جرب الغفلة لبعض الوقت، وسترى أن كثيرا من الأمور والأحداث تجاوزتك، ولم تعد تسيطر عليها فهما وممارسة..
لذلك، فلا مناص من الجهد اليومي للبقاء على الصراط المستقيم، الذي قد تعجز أحيانا حتى عن معرفته والتزامه والاهتداء إليه، وتحتاج لدعم روحي يساعدك عليه..
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾