في التعاطي مع الظلم الاجتماعي والسياسي، كثيرا ما نتساءل:
- لماذا لا يرينا الله دائما نتيجة الظالمين في الدنيا؟
- ولماذا كثيرا ما نتحرك في مقاومة الظلم وسط بحر من الشكوك في قدراتنا على المواجهة، ونحن أقل عددا وأقل نفوذا من الظلم الذي نواجهه؟
- ولماذا نراوح دائما بين الشعور بالنشاط والشعور بالتراخي والخذلان؟
- وما هي مآلات هذا الجهد الذي نقوم به في مقاومة الظلم؟
- وماذا لو انتصر الظلم؟
- وماذا لو خذلنا محيطنا؟
كل هذه الشكوك والظنون تعرض لها حتى أصحاب الرسالات الكبرى، من الأنبياء العظام..
محمد رسول الله، حصل له ذلك في عدة حالات، خصوصا في العهد المكي، وعلى امتداد 13 سنة.. حيث كثيرا ما كان يخامره الشك، ويستعجل رؤية وعد الله له:
1- حصل في أواسط العهد المكي.. في حدود سنة 5 من البعثة، في سياق نزول سورة غافر: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.. فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ.. فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ..﴾
2- وحصلت في حدود سنة 6 من البعثة، في سياق نزول سورة المؤمنون: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ، رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.. وَإِنَّا عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ..﴾
3- وحصل له سنة 10 من البعثة، في الطائف ودعائه الشهير (إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس … إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكنّ عافيتك هي أوسع لي)..
4- وحصل سنة 13 من البعثة (عام الهجرة) حين فرّ مع أبي بكر الصديق..
5- وحصل في العهد المدني، في سياق نزول سورة الرعد: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ..﴾
وفي كل مرة، يعيد النبي (ص) طلبه لله، ويجيبه الله بالصبر وعدم الاستعجال، قائلا:
- يمكنني أن أُرِيك بعضَ الذي أعِدُ الظالمين وأنت حي.. ويمكنني أيضا أن أتوفّاك قبل أن ترى ذلك..
- أنا قادر على أن أريك مآلهم..
- ولكن في كل الحالات، أنت مكلف فقط بالبلاغ.. بأداء واجبك.. بالقيام بمسؤوليتك..
هذه كانت وضعية جميع الأنبياء بلا استثناء.. والمثير للتأمل في مستوى آخر، ما أخبر به النبي (ص) عن حال الأنبياء، وأن بعضهم يأتي يوم القيامة معه الجمع الغفير من الأتباع.. ويأتي البعض الآخر معه الرهط.. وآخرون ومعهم الرُّهَيط (عدد قليل جدا).. ويأتي نبيون وليس معهم أحد من الأتباع..
يعني بمقياسنا، كأنه شخص فاشل في إقناع الناس..
ومع ذلك، يكافئه الله على أداء مهمته.. لأن ما يهمّ عند الله هو بذل الجهد اللازم، والقيام بالمهمة والواجب.. بقطع النظر عن النتائج والمآلات التي لا نراها في واقعنا..