الموسيقى والغناء: أدلة المانعين مطلقًا والمجيزين له بشروط (الجزء 1/4 و 2/4)

هذا مقال نُشر سنة 2009 على أربع حلقات.

من المواضيع التي يتكرر طرحها في أوساط الشباب، موضوع الموسيقى والغناء، وهل هما محرّمان أم جائزان. ويكثر في ذلك نقل كلام لمشايخ السلفية من أمثال الشيخ أبي إسحق الحويني وغيرهم من تلاميذ مدرسة الشيخ الألباني، للتدليل على حرمة الموسيقى والغناء.

وسأحاول في هذا الموضوع بيان أدلة المانعين للموسيقى والغناء، وأدلة المجيزين لذلك بشروط.

ولكن قبل ذلك، أود أن أطرح جملة من القواعد الفقهية التي يجب استحضارها في مثل هذه المواضيع الخلافية.

الجزء الأول: مقدّمة منهجية ---* توجد أصول وقواعد عامة، سنتخذها مقدمة للحديث في هذا الموضوع وأساس في تحرير المسائل التي سنتطرق إليها:

القاعدة 1- الأصل في باب (الحلال والحرام) الوقوفُ عند ما جاء بيِّنا واضحًا فيه في كتابِ الله وسنة نبيه (ص):

وهذا أصل واضح جاء به القرآن سدًّا لباب (التحريم والتحليل) بالهوى والظنون: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً، قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ. وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ، وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} (سورة يونس 59-60). {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة النحل 116-117).

القاعدة 2- من الأصول الواجب اعتبارها في الموسيقى والغناء ما يأتي:

أوّلاً- هي قضية عاديّة (يعني من العادات الاجتماعية)، لا تعبّدية.. والأصل في العادات الحِلُّ وليس الحرمة..

ثانيًا- الموسيقى والغناء يندرجان في باب الزينة.. والأصل في الزينة الإباحة وليس الحرمة.

ثالثًا- الزينة جمالٌ.. والأصل في القضايا الجمالية الإباحة أيضا وليست الحرمة، لأنها من النعم التي امتنّ بها الله تعالى على عباده. والصوتُ الحسن جمالٌ وزينة. والطّيب فيه فطري، وتأثيره في المؤدّي له والسامعِ له لا يمكن إنكاره.. لذلك هو ضروري حتى لأداء القرآن الكريم وتلاوته. في الحديث النبوي: “حَسِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ، فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ القُرْآنَ حُسْنًا” (رواه الدارمي والحاكم والبيهقي).

رابعًا- الصوتُ، بالنظر إلى كلِّ مستلَذٍّ منه، يعود إلى الأصل في اللذة أي إدراكِ ما يلائمُ الطبعَ والفطرة، وهو معنى الطيّب. أي ما تستطيبه النفس وتتلذذ به، من مَذوقٍ أو مسموعٍ أو منظورٍ أو مشمومٍ أو ملموسٍ. والأصل في جميع الطيّبات: الحِلُّ وليس الحرمة..

القاعدة 3- الذرائع المفضية إلى الحرام، تكفل القرآن والسنة بضبط بابها في كل ما كان معهودا زمن التشريع. وما مات النبي (ص) عنه من بابٍ مفتوحٍ، فلا يملك أحد سدَّه.. بالتالي لا يملك أحد أن يحرّم على الناس بمنطلق ديني من باب (سدّ الذرائع).. وهذا على خلاف السياسة والمجتمع، أين يجوز للسلطة الحاكمة أن تنظّم الفضاء العام بنوعٍ من سدّ الذرائع، حمايةً للمصلحة الاجتماعية، وليس من منطلق ديني..

القاعدة 4- الحديث الضعيف لا يحلّ ولا يجوز أن نبني عليه أحكاما فقهية..

القاعدة 5- الأصل في تفسير الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، ما جاء من بيانها في نفس نصوص الكتاب والسنة. فالآية تفسّرها الآية، ويفسّرها الحديث. وما أُجمِل في محلٍّ فُسِّر في محل آخر. وهكذا سنة النبي (ص).

القاعدة 6- لا حجة في رأيٍ من جهةِ جلالة صاحبه (فقيها كان أو عالما أو محدِّثا)، وإنما الحجّةُ في الدليل.

القاعدة 7- ما يُنسب إلى العلماء السابقين من المسائل والآراء، وسائرِ الأئمة والفقهاء بعدهم، ينبغي أن يُعتَبَر فيه أمران:

  • أولهما: ثبوته عن قائله من جهة الإسناد
  • وثانيهما: التثبت من صيغة العبارة المنقولة عن الإمام من السابقين، فإن الكثير من المسائل تُحكَى فيها العباراتُ مختزلةً على الصفة التي فهمها الراوي، فإذا وقفتَ على نص العبارة وقارنتها بما تم نقلًه، لم تجدها على ذلك الوصف، وإنما حصل فيها تحريف أو تغيير للمعنى المقصود.

وهذا الموضوع (الموسيقى والغناء) حُكِي فيه القولُ عن جماعات من العلماء من السلف والأئمة، على أنهم كانوا يقولون فيها بالتحريم، حتى خُيِّل إلى كثير من الناس الإجماعُ على ذلك. وحين نبحث عن صيغ عباراتهم، من كتبهم ونصوصهم الأصلية، نجد أن مواقفهم على غير ما تم نقله عنهم. مثل أن تأتي العبارة في النص الأصلي (أن فلانا كَرِه كذا)، أو (ترك كذا)، أو (قال عبارة ذمّ).. فنقلها الناقل على أنها قولٌ بالتحريم. وهذا تحريف للكلام.

القاعدة 8- حين يترك النبي (ص) فِعل شيءٍ أصلُه الإباحة (أي أن يكون فعلٌ مَا أصلُه مباحا، ولكن النبي امتنع عن فعله في حياته)، فإن هذا الترك من قبل النبي لا يدلُّ بمجرّدِه على تحريمه، وإنما يدلّ فقط على كراهة النبي لذلك الفعل، وقد تكون كراهةً دينيةً أو كراهةً جِبلِّية (بحكم طبيعته البشرية أو الثقافية).. هذه إذن ثمان قواعد، يجب استحضارها عند الخوض في مناقشة أي دليل من الأدلة..

وبالنظر إليها، أقول إن تنقسم استدلالات مَنْ ذَهَب إلى تحريم الغناء والمعازف أو التشديد فيها، إلى أربعة أنواع:

  • النوع الأول: أدلة صريحة في إفادة التحريم، غير أنها ليست صحيحة من جهة النقل.
  • النوع الثاني: أدلة صحيحة من جهة النقل، غير أنها ليست صريحة في الدلالة على التحريم.
  • النوع الثالث: دعوى الإجماع على تحريم الغناء والمعازف، أو المعازف خاصة.
  • النوع الرابع: معانٍ أخرى خارجة عما تقدم.

وسأبين في الجزء الثاني جميع أدلّة المانعين للموسيقى والغناء: 1- من القرآن الكريم 2- ثم من السنة النبوية، 3- ثم من أقوال السلف والفقهاء. وأبيّن أنواع الخطأ في الاستدلال بها أو في فهمها..


الموسيقى والغناء: أدلة المانعين مطلقًا والمجيزين له بشروط (الجزء 2/4)

أوّلا- أدلة المحرّمين للغناء والموسيقى من القرآن الكريم:

تتلخص في خمس أدلة: _ 1- الآية الأولى: قوله تعالى لإبليس في (سورة الإسراء 64): {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} _ قالوا: صوت الشيطان المقصود هنا هو آلاتُ المعازف والغناءُ. واستدلوا له بما روي عن مجاهد في تفسيرها: قال: {بصوتك} أي بالمزامير..

وهذا القول لا يصح روايةً عن مجاهد. فقد أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب (ذم الملاهي) رقم 72. وإسناده ليّن عن مجاهد. وزافر بن سليمان راوي الكلام ليس بالقوي في الحديث. ولم يرد في أيٍّ من الروايات الصحيحة..

ولكن، حتى لو افترضنا أن النقل عن مجاهد صحيح، فإن الاستدلال بهذه الآية على أنها دالة على تحريم المعازف لأن المزامير صوت شيطان يستفز به سامعه إلى معصية الله، استدلالٌ خاطئ من ثلاثة أوجه:

  • الوجه الأول: من حيث التأصيل: فإن قول مجاهد (سواء كان صوابا أو خطأ) ليس مما تخصص به عموميات الكتاب والسنة، إذ أنّ تخصيص العام وتقييد المطلق لا يصحان إلا بنص أو بمعناه (كما هو معروف في أصول الفقه). ورأي مجاهد يخصّص نصّا عاما، ويقيّد مطلقا. ولذلك لا يصح اعتباره في هذه المسألة. وإنما هو رأي لا يُقضى ولا يُحكَمُ به على النص القرآني.

  • الوجه الثاني: ليس هذا التفسير خطأً من مجاهد، وإنما الخطأ أن يُحصر معنى اللفظ فيه. لأنه روي عن مجاهد نفسه بإسناد قريب من الإسناد المشار إليه: أن الصوت هو (اللهو واللعب)، وفي رواية أخرى (اللهو والغناء). وهذان النقلان أعمّ من قوله: (المزامير).

وأحسن منه في تفسير الآية ما روي عن ابن عباس، قال: (صوته: كل داعٍ دعا إلى معصية الله). فهذا وإن لم يثبت إسناده عن ابن عباس، إلا أنه أولى من رأي مجاهد لعمومه المطابق للفظ الآية.

وقد صح عن قتادة بن دعامة السدوسي (أحد التابعين المفسرين): (بصوتك: أي بدعائك). أخرجه ابن جرير الطبري بإسناد صحيح.

لهذا قال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: … كل صوت كان دعاء إليه وإلى عمله وطاعته وخلافا للدعاء إلى طاعة الله فهو داخل في معنى (صوته).

الوجه الثالث: الصوت هنا لم يكن بمجرده موضع الذم. إنما الذم لكونه منسوبا إلى إبليس لعنه الله. ولا ريب أن أصوات الغناء والمعازف من جملة الأصوات. فالأصل أن ينالها الذم حين تصبح وسيلة شيطانية تدعو إلى معصية الله. فإن لم تكن كذلك فإنها لا تدخل في مقصود الآية، وبالتالي فإن الآية ساكتة عن حكمها، غير شاملة لها بلفظها ولا فحواها كشأن سائر الأصوات، بدليل بقية الآية.

فقد قال الله تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ}، فقد قالوا: خيله ورَجِله: كل راكب ركب في معصية الله، أو خيلِ تسير أو رجل تمشي في معصية الله. وهذا لا يعني أن كل خيل وكل رجل مذمومة، وإنما فقط تلك التي استعملت في معصية الله. وبالتالي فحتى الصوت في هذا الآية لم يذم منه إلا ذلك المستعمَلُ في معصية الله. وهذه مسألة غاية في الأهمية، يجب تأملها.

الخلاصة: هذا الدليل لا يصح اعتماده أو أن يُلتفتَ إليه.. _ 2- الآية الثانية: قوله تعالى في (سورة لقمان 6): {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} _ قالوا: لهوُ الحديث فسّره مجاهد بالطبل، وهو من المعازف.

وهذا النقل غير دقيق، لأن ما ورد عنه جاء بلفظ: (اللهو: الطبل). ولم يقل: (لهو الحديث: الطبل). والفرق واضح بين العبارتين. إضافة إلى ذلك فإن هذا النقل عن مجاهد ضعيف الإسناد، فقد أخرجه ابن جرير في تفسيره من طريقين ضعيفي الإسناد عن عبدالله بن أبي نجيح وعن ابن جريج. ولا توجد أي رواية صحيحة سندا تنقل كلامه..

هذا من جهة الرواية (أو السند).. أما من جهة الدراية (أي متن الكلام). فهذا الكلام فيه تخصيص للعام بغير برهان من الله ورسوله (ص). ويطبّق عليه نفسه القاعدة التي أوردناها في الآية السابقة، لأن عموميات القرآن والسنة لا يخصصها تفسير الصحابي، وهو قول مالك والصحيح عن الشافعي..

ولكن حتى لو تغافلنا عن هذه القاعدة. فإن النقل يُردُّ عليه من جهة أخرى، وهو تحرير معنى (اللهو): فأصل اللهو كما يقول ابن فارس: “كل شيءٍ شَغَلك عن شيء، فقد ألهاك”.

وهذا التعريف واسع يدخل فيه الحق والباطل. فمن اللهو ما هو حق ومنه أيضا ما هو باطل.

والدليل على ذلك أن المفسرين فسّروا اللهو في قوله تعالى في (سورة الأنبياء 17): {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا} بالمرأة. فالمرأة ليست باطلا.

ودليل آخر، عن عائشة أنها زَفَّت امرأةً إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله (ص): “يَا عَائِشَةُ، مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ؟ فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ”. أخرجه البخاري (رقم 4867) والحاكم في المستدرك (رقم 2749) والبيهقي (رقم 7/288). واللهو المقصود هنا هو الغناء وضرب المعازف. وقد أجازه النبي بل سأل عنه..

وهذا دليل على أن من اللهو ما يمكن أن يكون حقا، ومنه ما يمكن أن يكون باطلا. وليس جميعُ اللهو داخلا في الباطل المحرّم.

ولذلك فاللهو المذموم في الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. ولا يُقصد به جميع أنواع اللهو. وإنما فقط ذلك الذي يقصد به الإضلال عن سبيل الله، لأن الشريعة جاءت في اللهو على مراتب، منه ما هو مباح، ومنه ما هو محرم، ومنه ما مكروه، ومنه ما هو مندوب، إلخ. والمقصود في الآية فقط اللهو المحرّم.

مثال ذلك: قول النبي (ص) في تمييز الحد الفاصل بين الزواج وبين العلاقة المحرمة: “فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ”. حديث حسن، أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي. ومعنى الحديث: أن إعلان الفرح والزواج بالدّفّ والغناء هو الذي يميزه الزواج الشرعي عن العلاقة غير الشرعية.

فهذا دليل على أن الدف والصوت (أي الغناء) في الفرح من اللهو المباح.

إذن، فالقاعدة الفقهية في مفهوم اللهو:

  • كل لهو يسبّب تركَ الواجب، فهو محرّم.
  • وكل لهو يسبّب فعلَ الحرام، فهو محرّم.
  • وكل لهو فوّت مصلحة دينية مندوبة، فهو مكروه.
  • وكل ما عدا ذلك من اللهو، فيبقى على أصله من الإباحة.

ونعود للآية المشار إليها لنتأمل مسألة أخرى، تنفي صحة قول مجاهد في أن المراد باللهو هو الطبل.

نلاحظ أن اللهو في الآية لم يأت مطلقا، وإنما قيد بالإضافة إلى الحديث (لهو الحديث)، فخرج بهذا القيد ما لا يوصف بكونه حديثا من أنواع اللهو. فالمقصود هو (لهو الحديث) وليس (اللهو بإطلاقه).

وعبارة (لهو الحديث) عبارة عامة يقصد بها كل كلام يُتلهّى به، فيدخل ضمن معناه الغناءُ والقصص والأساطير والكتب ورواية النكت وغير ذلك مما يتلهى به من الكلام. وليس في العبارة ما يشير إلى أن المقصود هو الغناء فقط.

أما لماذا أثِر عن عبد الله بن مسعود قوله في تفسير الآية: (اللهو هو الغناء)، فهذا مما يجب فهمه في سياقه.

فقد كان عبد الله بن مسعود قديمَ الإسلام. فكان يرى بعض رؤوس المشركين يَعمَدون لشراء الجواري المغنيات، وجمع الناس عليهم كي يشَوِّشوا على دعوة التوحيد، ليحولوا بذلك دون الناس والاستماع إلى هذه الدعوة.

فتفسير ابن مسعود مناسبٌ لواقع ما عاشه مع هؤلاء المشركين الذين ذكر الله بعض صفاتهم في هذه الآية والتي تليها، كما قال في موضع آخر (سورة فصلت 26): {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تُغْلَبُونَ}.

إذن، ففَهمُ ابن مسعود يجب أن يوضع في سياقه ولا يعني ذلك أن جميع الغناء هو المقصود بكلامه. وإنما فقط ذلك الغناء الشبيه بما كان يستمع له المشركون من باب إلهاء هم عن الاستماع للقرآن ورسالة الحق.

إذن: فحاصل القول في هذه الآية: أن من اشترى لهو الحديث (من غناء وشعر وحكايات وأقاصيص ونكت وتمثيليات ومسرحيات وأفلام ونكت وكل ما يصح أن يسمى حديثا مما يمكن التلهي به)، ويَقصِد بهذا التلهي الإضلال عن دين الله والسخرية به، فهذا محرّم على المسلم.

أما ما تجرد عن هذا القصد من الأحاديث الملهية فلا يلحق بهذه الآية.

وبالتالي لا يصح اعتماد هذه الآية لتحريم الغناء _ 3- الآية الثالثة: قوله تعالى في (سورة الأنفال 35): {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} _ قيل: عاب الله على المشركين المكاء والتصدية. والمكاء هو الصفير. والتصدية هي التصفيق. وبما أن آلات المعازف أشد في أصواتها، فهي أولى بالعيب من الصفير والتصفيق

وخطأ القائلين بهذا القول ينبع من كونهم يعتبرون أن الله عاب على المشركين صفيرهم وتصفيقهم لنكارة الصفير والتصفيق لذاتهما. أي لأن الصفير والتصفيق مذمومان في حد ذاتهما.

وهذا غير صحيح مطلقا، لأن الآية واضحة في أن الذم متعلق بأمر آخر/ وهو أن المشركين كانوا يجعلون من الصفير والتصفيق صفة لصلاتهم عند البيت الحرام، كما كانوا يطوفون به عراةً، والصلاة عبادة، فهم كانوا يعبدون الله بتصفير وتصفيق.

وقد ذكر الامام ابن عطية في تفسيره (التحرير الوجيز): أن المكاء والتصدية كان من فعل العرب قديما قبل الإسلام على جهة التقرب به والتشرع. وكان بعضهم يتعمد رفع صوته بالمكاء والتصدية في عهد النبي (ص) ليشغلوه وأمته عن القراءة والصلاة. فأتت الآية لتبين أن مكاءهم وتصديتهم لم تكن من باب الرهبة والرغبة في العبادة، وإنما من باب التلهية.

أما التصفيق والصفير، فلا يوجد في الشرع ما يدل على تحريمهما مطلقا.

وقد جاءت عدة أحاديث تدل على ان التصفيق والصفير أمران مشروعان مباحان.

وقد استدل البعض على تحريم التصفيق على الرجال وقصره على النساء بحديث النبي (ص): التصفيق للنساء

فقد أخرج البخاري ومسلم عن عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله (ص) ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم. فحانت الصلاة. فجاء المؤذن إلى أبي بكر. فقال أتصلي للناس فأقيم ؟ قال نعم. فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله (ص) والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف. فصفق الناس. وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته. فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله (ص)، فأشار إليه رسول الله (ص) أن امكث مكانك. فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله (ص) من ذلك. ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله (ص) فصلى. فلما انصرف، قال: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله (ص). فقال رسول الله (ص): مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ؟ مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ (أخرجه البخاري ومسلم)

الذي يستفاد من هذا الحديث: 1- أن التصفيق كان من عادة العرب رجالا ونساء، بدليل أن الصحابة فعلوه على عادتهم في الصلاة لتنبيه الإمام

  • وأن المقصود بأن التصفيق للنساء في كلام النبي (ص) أن ذلك في الصلاة فقط. وإلا للزم الأمر ان نقول أيضا إن التسبيح للرجال فقط، ولا يجوز للنساء أن يسبحن خارج الصلاة

وعليه، فلو أردت مناداة شخص بعيد بالصفير فليس في ذلك حرج. وإذا اردت طرد العصافير عن بستانك فصفقت فليس في ذلك حرج وإذا لهوت بالتصفير والتصفيق فليس في ذلك حرج، لأنه عاد إلى عموم اللهو. وحينها ينظر فقط إلى القواعد التي ذكرناها آنفا في تحديد اللهو، إن كان مباحا أو حراما او مكروها

واما القول بأن المقصود بالصفير والتصفيق: الغناء فليس صحيحا ولا يوجد دليل على ذلك _ 4- الآية الرابعة: قوله تعالى في صفات عباده (في سورة الفرقان 72): {وَالذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} _ قال مجاهد: (لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ: أي لا يسمعون الغناء). قيل: فهذا دليل يقتضي ذم هذه الصفة، لمدح ضدها.

والصحيح: أن الآية تذم الزور، نعم، ولكن لا توجد علاقة بين مفهوم الزور والغناء. والنقل عن مجاهد ينقد من جهتين:

1- جهة الإسناد: فالرواية ضعيفة الإسناد، كونها مروية من ثلاث طرق مختلفة:

  • عن محمد بن الحنفية بلفظ: (الزور: اللهو والغناء)، من طريق إسماعيل بن سلمان (ويعرف بالأزرق)، وهو كوفي ضعيف الحديث جدا.
  • وعن مجاهد بن جبر بلفظ: (لا يشهدون الزور: لا يسمعون الغناء)، من طريق محمد بن مروان السدّي الكبير، كوفي متهم بالكذب، وشيخه ليث هو ابن أبي سليم مشهور بالضعف
  • وعن الحسن البصري بلفظ: الزور: الغناء والنياحة. لا يخرق له سمعه، ولا يرتاح له قلبه، ولا يشتهيه). وإسناد هذ الرواية ظاهر الضعف لإبهام راويه عن الحسن (أي: حدثنا فلان عن رجل عن الحسن البصري).

2- أما من جهة الدراية: ففي تفسير الزور بالغناء نظر:

  • اختلف السلف في تفسير لفظ الزور، فقيل: الشرك. وقيل: الكذب. وقيل: المعاصي. وقيل: أعياد المشركين. وقيل: اللعب. وقيل غير ذلك.. فما الذي يجعل تفسيره بالغناء أولى من غيره؟

  • لفظ (الزور) في الآية عامّ في كل زور. وأصل الزور في كلام لعرب: تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه أنه خلاف ما هو به. وقد ورد لفظ الزور في القرآن في عدة مواطن، وفسره العلماء في جميعها بالكذب. ففي سورة الحج 30: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور}. وفي سورة الفرقان 4: {فقد جاءوا ظلما وزورا}. وفي سورة المجادلة 2: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا}.

ففي كل هذه المواطن، فسر العلماء لفظ (الزور) بالكذب. فما الداعي لأن تخرج الآية المذكورة عن المدلول الشائع للفظ الزور في القرآن ليصبح الغناء وليس الكذب؟

نعم، إذا قيل: إن الغناء قد يكون بكلام فيه كذب. فنقول: إذن ذمه لا يكون بسبب كونه غناء وإنما بسبب كونه يحتوي على كلام كذب. ولذلك قال الامام ابن العربي المالكي: القول بأن الزور هو الكذب هو الصحيح، لأن كل ذلك إلى الكذب يرجع. وأما القول بأنه الغناء فليس ينتهي إلى هذا الحد) (أحكام القرآن. 3-1432)

3- وأما من جهة الأخبار الصحيحة في واقع العصر النبوي وما بعده: فقد وردت أخبار ثابتة عن سماع الغناء الحسن بإذن النبي (ص) با وبأمره، ووقع من خيار الناس من الصحابة فعلا واستماعا، كما سيأتي ذكر الرويات فيه من بعد.

والحاصل: أن تفسير الزور بالغناء تفسير في غير محله. بل الأليق أن يكون خطأً وتكلفا مردودا. _ 5- الآية الخامسة: قوله تعالى في (سورة النجم 61): {وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ}. _ قيل: قال ابن عباس: (هو الغناء بالحِمْيَرِيَّة. اسْمُدِي لنا: غنّي لنا)، وهو أثر صحيح. قيل: وهذا دال على التحريم لأن الله تعالى عاب عليه الكفار. وقد صح في رواية أخرى عن ابن عباس قوله: (سامدون: هو الغناء. كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا، وهي بلغة أهل اليمن، يقول اليماني إذا تغنى: اسمُد). وخطأ الاستدلال بهذه الآية لمنع الغناء يكمن في أن سياق الآية يتحدث عن صفة الكفار الذين كانوا إذا دعوا إلى القرآن، أعرضوا عنه مشتغلين بلهوهم ولعبهم وغنائهم. فسياق الآية لا يتحدث عن الغناء مطلقا، وإنما عن غناء الكفار الذي كان يلهيهم عن القرآن. قال تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ؟}. ولو لزم تحريم الغناء مطلقا على أساس هذه الآية، للزم أيضا أن نحرّم أيضا الضحك تحريما مطلقا بنفس الدرجة، لأن الضحك والغناء وردا في سياق واحد في معرض الذم المشترك في هذه الآية. وهذا ما لا يقول به عاقل.

خلاصة القول في دلالة الآيات القرآنية:

لا يصح الاستدلال بأي شيء من القرآن على منع الغناء ولا الملاهي ولا اللعب ولا الضحك لذاتها. بل هي على الأصل في إباحتها إلا أن يوجد سياق أو دليل خاص ينقلها عن الإباحة لتصبح مكروها أو حراما. . في المنشور الموالي، سأنقل أدلتهم من الأحاديث وأقوال الفقهاء..