“إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ، قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ؟ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ. قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا؟ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.. إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً.. فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا.. وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً.. وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا..”

_ سورة النساء

هل ضعف الجماعة يشكّل مبررا مقنعا كي تستسلم أمام الانحرافات المنطقية والسلوكية المستشرية، فتنحرف مع التيار الطاغي إذا انحرفوا، أو تسكت أمام كثرتهم، أو تقبل بضعفها أمام قوتهم؟ ليأتي بعد ذلك يومَ القيامة ليبرر الضعفاء أعمالهم، بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض، لا يملكون القدرة التي يستطيعون من خلالها الوقوف في وجه المستكبرين؟

القرآن يحسم الأمر بتحديد نوعين من الاستضعاف:

  • استضعاف يمكن للإنسان أن يجد فيه السبيل للعذر أمام الله،
  • واستضعاف آخر لا عذر للإنسان معه؛ لأن القضية لا تخضع ـ في ذاتها ـ للحالة الآنية التي يعيشها الإنسان، بل للظروف الموضوعية المحيطة به، والفرص المتنوعة المتاحة له، للخروج من هذا الجو الخانق أو ذاك، والإمكانات المختلفة باختلاف المكان والزمان..

فإذا كان يملك فرصة مستقبلية لصنع القوة، فعليه أن ينتظر تلك الفرصة، فلا يستسلم تحت ضغط الضعف الحالي إلا بمقدار ما يتمكن من ترتيب عملية القفز نحو المستقبل من مواقعه الحاضرة.

وإذا كان هناك مكان جديد يستطيع أن ينمّي قوته فيه، بعيداً عن التحديات الضاغطة؛ فعليه أن يهاجر إليه من أجل التزوّد بالقوة اللازمة للتصدي لمواقع الظلم والطغيان، والعمل على تهديم كيانها، وإضعاف قوتها، بل إزالتها نهائياً، بل إزالة قوتها.

وهذا ما عبّرت عنه هذه الآيات في أسلوبٍ يتحدث عن الموضوع من خلال علاقته بالمصير الذي ينتظر الإنسان في الآخرة على أساس سلوكه في الدنيا، وذلك بتقديم أحد النماذج المستسلمة لحالة الاستضعاف مع قدرتها على تجاوزها إلى حالة قوة.

﴿(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَـئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ)..﴾

ظلم النفس تعبيرُ قرآني مميّز عن الكفر والضلال الذي يؤدي بالإنسان إلى الهلاك، مما يجعل السير في طريقه ظلماً للنفس وتعريضاً لها للعذاب الأليم..

هذه الآية إشارة إلى أن الله كلّف ملائكة الموت بإنجاز أمر شبيه بـ”التحقيق الجنائي” في أعمال الناس الذين يتوفونهم..

يبدأ التحقيق بسؤال: (قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ؟).. ما هي الأجواء التي كنتم تتحركون بداخلها؟ ما هي الأسباب التي أدّت بكم إلى هذا الانحراف وهذه السلبية؟ ما هي مبرراتكم التي تقدّمونها بين أيديكم لتدافعوا بها عن أنفسكم؟

(قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض).. فلم تكن لنا قدرة على مواجهة هؤلاء الناس الذين يفرضون علينا الانحراف والباطل والظلم، ولا يتيحون لنا فرصة التعرف على الحق والعدل والواجب.. لأنهم يغلقون عنا سبل المعرفة السليمة من جميع الجهات، فلا نجد أمامنا إلا الباطل الذي يحيط بنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن يميننا وعن شمالنا (إشاعات، أكاذيب، إعلام موجّه، استطلاعات رأي مضللة، إلخ)، ولا نملك ـ في الوقت ذاته ـ حرية الحركة، في ما نريد أن نقوم به من عمل في نطاق الحق والهدى، لأنهم يحددون لنا الساحة التي نتحرك فيها ويحيطونها بأسلاك شائكة، تمنع النفاذ منها إلى ساحات أخرى.

(قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا؟) تبريرات تبين عدم اقتناع الملائكة بالجواب، مما أدى بالملائكة إلى الاستمرار في التحقيق، لتحديد الحالة التي تخضع لحساب المسؤولية: ألم تبحثوا في الفرص البديلة للواقع؟ ألم تكن هناك أرض أخرى حرة، لا يسيطر عليها المستكبرون؛ تسمح بالحرية الفكرية والعملية بأوسع مداها، مما يتيح لها مجال المعرفة الحرة والسلوك الحر؟

وكان السكوت هو الرد الذي قابلوا به هذا السؤال، لأنهم لا يملكون الإنكار أمام الحقيقة الحاسمة التي كانت تتمثل في حياتهم؛ فقد كانت لهم مجالات للهجرة إلى المواقع الجديدة التي يخرجون بها من حالة الاستضعاف هذه، ولكنهم استسلموا لحالات الاسترخاء والكسل والخشية من المتاعب الجسدية والمالية ونحوها، وعاشوا في خدمة المستكبرين؛ وبذلك حقّت عليهم كلمة الله، وقامت عليهم الحجة

﴿(فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً..).﴾

(إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً).. مراعاةً لظروفهم الصعبة.. وربما كان التعبير بكلمة {عَسَى} التي لا توحي بالجزم، ليظل الإنسان في حالة استنفارٍ دائمٍ لقدراته وإمكاناته، فلا يسترخي أمام حالة العجز بشكل سريع. {وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً } فقد سبقت رحمته غضبه، في ما ينحرف به الناس عن الخط نتيجة هفوة أو ضعف أو عجز… فإنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، وهو خير الغافرين..