حوار برنامج حراك

حوار مع أبو يعرب المرزوقي / عائض القرني / محمد مختار الشنقيطي

رؤية أبو يعرب المرزوقي

  • العلمانية لا تتعارض مع الإسلام والديمقراطية ليست نقيض الشريعة.
  • الحرية مقدمة على الدين لأن تكليف غير المضطر يسبق إقامة الشرع واعتناق الإسلام.
  • العلمانية الفرنسية عادت الدين.. والعلمانية الألمانية والأمريكية لم ترفض التدين.
  • لا خوف من الحرية .. والأنظمة الديكتاتورية تجبر الشعوب على مخالفة عقيدتها. عائض القرني: المفاضلة بين الحرية والإسلام شائكة..والعمل بالدين يأتي بعد الاقتناع به محمد مختار الشنقيطي: التفاؤل الزائد بالتجربة التونسية خطأ .. والتشاؤم بما حدث في مصر مرفوض

قال الدكتور أبو يعرب المرزوقي إنه من المفترض في الأغلبية الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة أنها لن تجمع على ما يخالف شريعة الله ، ولذلك فرؤية أن رأى الأغلبية له الأولوية ، لا يجعل رأي الاغلبية معارضا أو صدام مع الشريعة الإسلامية ، لأنه لا يستقيم عقلا أن الأغلبية في بلاد المسلمين سوف تتفق على ما يرفضه الإسلام ، معتبراً أن هذا هو التفسير الضمني الذي استندت عليه حركة النهضة التونسية عندما اعتبرت أن رأى الأغلبية مقدم على الشريعة ، أو أن الحرية مقدمة حتى على الدين . وأضاف الدكتور أبو يعرب أن الدين الأسلامي يعترف بالأديان السماوية الأخرى ، بل ويعترف بأديان غير سماوية مثل الصابئة ، وحتى عندما فرض الدين الإسلامي أن تتدخل الدولة لحماية حرية ممارسة الشعائر الدينية ، فإن هذه الحماية استهدف الصوامع والبيع قبل أن تذكر المساجد ، بل أن الأية 48 من سورة المائدة في قول الله تعالي : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) ، فإن هذه الأية اعتبرت أن الاختلاف في الشرائع مقدمة للتسابق نحو الخيرات . العلمانية الفرنسية في نفس الوقت إلى أنه ليس من المسلم به أن العلمانية ترفض الدين أو تستبعده ، موضحاً أن هذا الموقف وإن كان موجوداً في العلمانية اليعقوبية الفرنسية التي رفضت الدين الكاثوليكي رفضاً كاملاً لأن الكاثوليكية عادت العقل ، فإن ذلك ليس صحيحاً في العلمانية الألمانية أو حتى في العلمانية المتعارف عليها في المدن الفرنسية المحاذية لألمانيا أو التي خضعت للاحتلال الألماني . كما أشار الدكتور المرزوقي إلى أن العلمانية الأمريكية هى الأخرى لم تعاد الدين ، لكنها طلبت من الكنيسة ألا تتدخل في تنظيم علاقة الفرد والمجتمع وألا تتدخل في عقائد الناس ، ولذلك ففي دولة مثل مصر اصطدمت ما تسمى بالنخب العلمانية بالدين لان هذه النخب انتمت في العصر الليبرالي المصري للثقافة الفرنسية مثل رائدهم الدكتور طه حسين ، على عكس النخب التي تنتمي للثقافة الأمريكية والألمانية فهى لا تعتبر نفسها في قطيعة مع التدين . المرزوقي: العلمانية الفرنسية عادت الدين،والألمانية والأمريكية لم ترفض التدين. وعرض الدكتور المرزوقي لحوار دار بين الإمام العزالي ، وهو ما لا يمكن اعتباره علمانيا ، وبين شخص باطني حيث يقول الباطني طبقا لعقيدة الشيعة إنه لا يستقيم الحكم بلا وصية ، فيرد عليه الغزالي بأن الحكم يستقيم بالبيعة والاختيار وحتي إن بدأ الاختيار او البيعة بشخص واحد وهو ما حدث في بيعة الفاروق لخليفة رسول الله ابو بكر الصديق عندما مد الفاروق يده لابي بكر الصديق ثم توالت بيعة الناس . وحتى ابن خلدون عندما تكلم عن علم الكلام عند المسلمين فقد قال إن علم الكلام لا يقر فكرة ( الإمامة ) لدى العقيدة الشيعية ، لكن تكلم عن أن الحكم هو شكل من أشكال رعاية مصالح العامة وهو من اجتهاد الأمة واختيار أفاضلها . وعلى ذلك فالحكم كما عرفه الإمام الغزالي وابن خلدون ، وهما اثنان من أعلام المسلمين لا يمكن اتهامهما بأنها علمانيان ، هو حكم مدني أخلاقه دينية . وبهذا المعنى يمكن فهم موقف حزب النهضة في تونس ، وهو أنهم في حزب النهضة فهموا الأية (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) .

الحرية والتكليف

فليس هناك خوف من كلمة ( حرية ) ، لأن الحر هو الذي له قدرة على الاختيار ، فالله سبحانه وتعالى يكلف المختار ولا يكلف المضطر ، وهؤلاء المكلفون حريتهم هي سبب تكليفهم وشرط في أن يطبقوا الشريعة ، فالحرية هنا بهذا المعنى مقدمة على الشريعة لأنها شرط من شروط تطبيقها في إطار التكليف العام . المرزوقي: لا خوف من الحرية .. والأنظمة الديكتاتورية تجبر الشعوب على مخالفة عقيدتها. فأنت تطبق الشريعة لأنك حر ، والحر هو الذي يكون بمقدوره احترام الشريعة أو عدم إحترامها ، وإذا لم يؤمن الحر بالشريعة فهو غير مسلم ونحن نتحدث هنا عن المسلمين ، فإذا لم يحترم الشريعة سوف يطبق عليه القانون المدني الذي يحتكم له . ونحن في تونس وصلنا إلى هذا الفهم لأننا نستمع إلى بعضنا البعض ، ونناقش ونفهم بعضنا البعض ، بخلاف الإسلاميين الذين يتربون على مبدأ السمع والطاعة ،والقانون الشرعي يختلف عن القانون الوضعي في أن القانون الوضعي يعاقب على مخالفته لكن لا يجازي على تطبيقه ، بينما القانون الشرعي يعاقب على مخالفته ، ويجازي في نفس الوقت من يقوم على تطبيقه من منطلق أن تطبيق القانون الشرعي أمر شرعي ومطلوب في الشريعة الإسلامية ، فالقانون الشرعي من هذا المنطلق أفضل ولكنه يشترط تربية المسلم دينيا وخلقيا ، وهو ما يجعل القانون الشرعي أيضا أقل وطأة في تطبيقه على الإنسان . كما أن العلمانية تعترف بتعدد الأديان ، والإسلام أيضا يعترف بتعدد الأديان وبحق كل الأديان في الوجود وممارسة الشعائر . أيضا فالدين الإسلامي ليس دين شريعة فقط، بمعنى الحدود ، بل أن الدين الإسلامي فيه أخلاق ودين ، وهو ما لا تتدخل فيه العلمانية ، أيضا فبخلاف قوانين الحدود ، فإن هناك قوانين مثل قوانين الطرقات والسير مثلا لا علاقة بالشريعة بها ، والمسلمين دائما حتى في ظل قيام دولة الخلافة الإسلامية كانوا يفرقون بين التشريع الديني التابع للشريعة وبين التشريع الديني التابع للخليفة ، ومن هنا يمكن القول إن هناك توافقاً بين الإسلام والعلمانية . بل على العكس من ذلك فإنه في الأنظمة الديكتاتورية قد يفرض الحاكم الديكتاتور على الشعب شئ ضد عقائده ، ولكن في الأنظمة التي يملك الشعب فيها حريته ، يصعب أن يفرض على الشعب شئ يعارض دينه وعقيدته ، ونحن نرى معظم البلدان العربية تقوم فيها السلطة على نظم ديكتاتورية . مصر وتونس مختلفة عما حدث في مصر لعوامل مختلفة ، منها أن التونسيين يغلب عليهم بنسبة تكاد تكون كاسحة الدين الإسلامي ، على العكس من الوضع في مصر التي توجد بها كتلة كبيرة من غير المسلمين ، بل وبين قادة هذه الأقلية القبطية عداء بينها وبين باقي المسلمين ويرون في المسلمين غزاة غزوا مصر واستعمروها . كما أن في تونس لا يوجد فيها انقسام طبقي مثل الانقسام الطبقي الموجود في مصر ، فمنذ العصر الخديوي ومصر تنقسم إلى قلة من البشاوات وشعب معدم ، وحتي في الفترة التالية لهذا العصر ظهر بشاوات جدد ، وهؤلاء ثروا من أموال المصريين المعدمين في معظمهم ودائما يحاولون السيطرة على السلطة في مصر . كما أن في تونس مستوي التعليم مرتفع ولا تزيد نسبة الأمية على 5 بالمائة ، بينما في مصر هذه النسبة مرتفعة ، بالإضافة إلى الجيش في تونس جيش جمهوري يؤمن بالجمهورية ، بينما في مصر الجيش مسيطر ولا يريد التنازل عن السلطة . وتجربة الإخوان في مصر تختلف عن تجربة النهضة في تونس ، فإخوان مصر كانت لهم شرعية الانتخابات لكنهم نسوا ان شرعية الانتخابات لا تكفي لحكم بلد مثل مصر لم يتعود على الانتخابات ، والخطأ القاتل للإخوان هو أنهم لم يرضوا بانتخابات مبكرة ، فمن الذكاء السياسي أن تتعامل مع المعارضة على أنها جزء من الحكم ، فتجربة النهضة في تونس اختارت أن تفقد نصف القوة ولا تفقد القوة كلها ، وهو الخطأ الذي وقع فيه إخوان مصر بسبب تمسكهم بالسلطة. كما أن الثورة المضادة سواء في مصر أو تونس لا تستمر إلا بدعم الاستعمار أو المال ، والاستعمار سوف ينسحب كما انسحب من العراق وأفغانستان ، والمال أيضا ليس دائما ، وفي نفس الوقت نرى أن 90 بالمائة من القوى الثورية هى قوى إسلامية ، لأن القوى العلمانية تعلم أنه ليس لها رصيد في الشارع ولذلك احتمت بالعسكر وبالطغاة .

إيران وداعش

وحول إيران قال الدكتور المرزوقي إن إيران هي أكثر دول الشرق الأوسط هشاشة وإنها تداري هشاشتها وراء ما وصفه بأذرعها من الميلشيات العربية مثل الحوثيين في اليمن وحزب الله في إيران . ومع الأسف فإن إيران هى الدولة الوحيدة في المنطقة التي تزعم أنها تدافع عن الإسلام ، وهذا حدث لأن الحكام العرب استمعوا لنصيحة شخص يزعم أنه استراتيجي ،وهو حسنين هيكل الذي اعتبره شخص دجال الذي زعم أن القوة اللطيفة للدول العربية لا تكمن في الإسلام والعقيدة ، وإنما هى أشياء أخرى ، وهو ما جعل الدول لعربية تفقد هذه القوة وتحتكرها إيران . وقال الدكتور المرزوقي إن حزب الله لا يقل إجراماً عن داعش ، لكن مع ذلك فإيران لا تتخلى عن حزب الله ولا تستنكر أعماله ، نفس الأمر بالنسبة للحوثيين الذين يطلقون على أنفسهم أسم آخر هو ( أنصار الله ) فهم يمنيون لهم حقوق المواطنين اليمنيين ولكن ليس من حقهم فرض سيطرتهم على اليمن بأكملها ، وهو نفس ما يفعله حزب الله في لبنان أقلية معها سلاح أقوى من الدولة وتفرض سيطرتها على الدولة . وحول داعش قال الدكتور المرزوقي إن داعش هى صناعة استخباراتية بدليل أن داعش تلجأ لأعمال تفصلها عن الرأى العام مثل قطع الرقاب ، وهو دليل على غياب أي رؤية سياسية أو رؤية للمستقبل عند داعش ، وأنها صناعة أجهزة مخابرات .

القناعة والتطبيق

وفي مداخلته اعتبر الدكتور عوض القرني إنه من حيث الوقوع فلا شك أن الحرية مقدمة على الإسلام ، لأن الإيمان بالدين الإسلامي والقناعة به والعمل به ثم تطبيقه تالي للحرية وتابع لها . وحتى من حيث الوقوع لا يصح إسلام شخص إذا كان مضطراً عليه ، فإسلام المسلم لا يقع إلا إذا كان الشخص مختاراً كما في جميع العقود . والمفاضلة بين الحرية والإسلام مسألة دقيقة ، فإذا كان الإسلام راسخاً في مجتمع ، وهذا المجتمع يقوم نظامه على الإسلام ، فإن الخروج على هذا النظام بدعوى الحرية حتي علي المستوى الاجتماعي ليس مقبول ، فمن يخرج عنه في هذه الحالة أما بغاة أو خوارج أو مرتدون . القرني : المفاضلة بين الحرية والإسلام شائكة ..والعمل بالدين يأتي بعد الاقتناع به أما إذا لم يكن الإسلام اختيار الغالبية من المجتمع مع الأسف ، فمعنى ذلك إن المجتمع يحتاج في البداية إلى الدعوة قبل أن يصبح الدين خيار المجتمع بأسره لكن على المستوى الشخصي ومستوى علاقة الانسان بالله تعالى فالنبى صلى الله عليه وسلم كان يعلم ان في المدينة منافقين ، لكن هؤلاء طالما لم يحاولوا إسقاط النظام العام للمجتمع تركهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتعرض لهم ، لكن الخروج على الدين سوف يكون مساساً بنظام الأمة ولحمتها .

المصالح والمفاسد

وفي نفس الوقت فإن هناك قاعدة أخرى هي قاعدة

المصالح والمفاسد ، فإذا كان إزاحة مفسدة سوف يؤدي لمفسدة أكبرفإن من الأولى تركها ، ولنا في السيرة النبوية الشريفة أسوة حسنة ، ففي عمرة النبي صلى الله عليه وسلم التي تلت صلح الحديبية اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم وحول الكعبة 360 صنماً ولم يتعرض لها حتي لا يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يفي بالعهود ، لكن عند فتح مكة تم تحطيم هذه الأصنام .

لكن مع ذلك لايمكن القول بأن العلمانية تستقيم مع الإسلام لأن العلمانية تسلب حق الله في التشريع ،وتبقي الدين في أحسن الحالات ضمن دائرة علاقة الإنسان بربه ، فهيمنة الدين على الحياة مرفوضة في العلمانية ، لكن إذا اخترنا بين الحياة في نظام علماني ديكتاتوري مثل نظام أتاتورك مثلا ، أو نظام علماني يسمح للمسلمين بممارسة شعائرهم ، فسوف نختار النظام العلماني الذي لا يمنع المسلمين من ممارسة دينهم . وفي تونس فإن التجربة التونسية تحقق لها التوفيق ولكن نرى ان يركز الإخوة في تونس على الدعوة وتربية الناس وتعليمهم الشرع بدلا من إعطاء كل الاهتمام للعمل في السياسة . وفي مداخلته قال المحلل الموريتاني محمد مختار الشنقيطي : إن التجربة التونسية نجحت واختلفت عن التجربة المصرية لأن التجربة التونسية بها فروق بنوية وفروق ثقافية عن مثيلتها في مصر ، لكن مع ذلك لا يبنغي الإفراط في التفاؤل بالنسبة للتجربة التونسية ، أو الإفراط في التشاؤم بالنسبة للتجربة المصرية ، خاصة وأن القوى الثورية في مصر أجبرت الثورة المضادة في مصر على العودة بوجهها القبيح .