في تعريف الإيثار..

في سورة الحشر: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . وفي آل عمران : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتّىٰ تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾ . وفي الإنسان: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ .

في الرؤية القرآنية، الإيثار الحقيقي لا يُختزل إلى الأنانية أو إلى الشفقة، بل يحتاج إلى فهم أعمق لقيمة الآخر.

كثير من النظريات تحاول تفسير كل فعل «إيثاري» بأنه واحد من اثنين:

  • أنانية مقنّعة: حيث نساعد الآخرين لأننا نبحث، في العمق، عن شعور داخلي بالرضا، أو عن سمعة طيبة، أو عن صورة جميلة عن أنفسنا.
  • أو حالة شفقة: حيث ننظر إلى الآخر ككائن ضعيف مكسور، فنمدّ له يد العون من موقع تفوّق خفي، كأننا نقول في داخلنا: «مسكين هذا، هو يحتاج إليّ».

المشكلة في التفسيرين أنهما يبقيان الذات في مركز الصورة، والآخر في الهامش:

  • في الأنانية المقنّعة، الآخر مجرد «وسيلة» لتحقيق متعة أو مصلحة أو راحة ضمير.
  • وفي الشفقة المتفوّقة، الآخر كائن أدنى يحتاج إلى رعاية، لا شريكًا كامل القيمة.

بينما الآيات ترسم نموذجًا مختلفًا: الأنصار يؤثرون على أنفسهم مع الخصاصة، وأهل الإحسان يُطعِمون «لوجه الله» لا لِـ«وجه أنفسهم» ولا لِـ«صورة قلوبهم أمام الناس».

لكن قد يُثار هنا سؤال مشروع: إذا كان المؤمن يفعل ذلك “لوجه الله” طلبًا للأجر الأخروي، أفلا يعود هذا شكلًا من “المنفعة المؤجّلة”؟ والجواب أن الآيات نفسها تحمل الردّ: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ تنفي انتظار المقابل حتى من المُعطَى له، والعمل “لوجه الله” ليس صفقة مع السماء، بل تأطير للفعل ضمن أفق يتجاوز منطق المبادلة كله. فالباحث عن الأجر بوصفه غاية يظل أسير الحساب، أما الفاعل “لوجه الله” فقد تحرر ليرى الخير غاية في ذاته.

الإيثار الحقيقي، كما تلمّح إليه هذه النصوص القرآنية، يبدأ عندما:

  • نرى الآخر كشخص كامل في ذاته، له عمق وتجربة وكرامة، وليس كمجرد حالة اجتماعية أو «ملفّ مساعدة».
  • وندرك أن للآخر قيمة مستقلّة عن حاجاتنا ومشاعرنا: قيمة إنسان، لا مجرّد فرصة لنيل أجر أو تنظيف صورة النفس.
  • ونساعده لا لأننا نتلذّذ بصورة «المنقذ»، ولا لأن مشهد الألم لا يطاق بالنسبة لنا، بل لأننا نرى أن وجوده في خيرٍ أكثر هو جزء من المعنى الأخلاقي الذي نؤمن به، كما ترسمه آيات البرّ والإحسان.

هذا الطرح القرآني يلتقي، من زاوية لافتة، مع ما ذهب إليه الفيلسوف إيمانويل ليفيناس حين جعل “وجه الآخر” نداءً أخلاقيًا سابقًا على كل حساب ومنفعة؛ فالآخر عنده ليس موضوعًا أستخدمه أو أشفق عليه، بل حضور يُلزمني أخلاقيًا بمجرد أن ألقاه.

هنا يتحوّل الإيثار من ردّ فعل عاطفي سريع، إلى موقف أخلاقي واعٍ يقوم على الاعتراف بقيمة الآخر، والاشتراك معه في أفق واحد للكرامة والمعنى.

الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ﴾ لا تعني إلغاء الذات أو سحقها، بل تعني: الخروج من مركزية «أنا أولًا» إلى أفق «نحن في خيرٍ واحد»، ورؤية الخير كشيء مشترك لا حصةً شخصيةً مغلقة.

الإيثار الحقيقي إذن ليس أن أستنزف نفسي لأبقى صفرًا والآخر مائة، بل أن أعترف بأننا، أنا وهو، داخل دائرة إنسانية وأخلاقية واحدة، وأن تحسين وضعه جزء من تحسين العالم الذي أعيش فيه أنا أيضًا.

الإيثار في الرؤية القرآنية ليس مجرد «أنا أضحّي، أنت تستفيد»، بل هو قبل ذلك: «أنا أعترف بأنك ذات لها حقّ في الخير مثلي تمامًا»

لذلك، فالإيثار هو فعل اعتراف قبل أن يكون فعل تضحية. وهو مشاركة في إنسانية مشتركة قبل أن يكون استجابة لشفقة عابرة.

انطلاقًا من الآيات، يمكن أن نقول: الإيثار الحقيقي هو أن ترى في الآخر إنسانًا يشاركك الكرامة والحقّ في الخير، فتبذل له مما تحبّ، لا بحثًا عن مكافأةٍ نفسية ولا من موقع شفقة متفوّقة، بل تجسيدًا لرؤية قرآنية تجعل الإنسان – كل إنسان – جزءًا من أفق واحد للبرّ والإحسان.