يتكرر التشكيك في قدرتي الشخصية على التفكير والسؤال واتخاذ الرأي في قضايا الدين (فقه، أصول فقه، عقيدة، تفسير، إلخ).. فضلا عن حريتي الشخصية في طرح القضايا التي أريد في صفحتي الشخصية)..
ويأتي هذا التشكيك أحيانا من أصدقاء طيبين، ليس بغرض التنقيص أو الإهانة، وإنما من باب التذكير والنصح والخوف من الزلل..
آخرها، صديق عزيز أستاذ جامعي متخصص في الشريعة.. سألني إن كان لدي إلمام بعلم أصول الفقه.. لأن علم الأصول، في تقديره، يجيب على كثير من الأسئلة التي أطرحها، من خلال مفاهيم العام والخاص والمطلق والمقيد وغيرها كثير من الآليات الأصولية في فهم النصوص..
ونصحني إن كنت قد قرأت الرسالة للإمام الشافعي كونها اقدم كتاب في الأصول ثم ما جاء بعدها كالمستصفى للغزالي.. باعتبارهما يجيبان على كثير من الأسئلة التي أطرحها..
جوابي في الحوار كان هكذا:
1- طبعا، قرأت عدة كتب متخصصة في الأصول والقواعد الفقهية من الكتب القديمة والمعاصرة.. وقرأت الرسالة للشافعي (غالبيتها وليس كلها).. وأدرك جيدا هذا الموضوع..
الإشكال الحقيقي الذي لم أجد إجابة عليه في كتب أصول الفقه: كيف نقبل أن يكون الحديث (الظني الثبوت) مهيمنا على القرآن (القطعي الثبوت) من خلال تخصيص عامه، وتقييد مطلقه، إلخ؟ هذه الإشكالية مطروحة على مبحث أصول الفقه بكامله..
نعم، القرآن قطعي في ثبوته ولكن غالبا دلالته ظنية.. والسنة تبينه: “لتبين للناس ما نزل إليهم”..
و”البيان” هو الوظيفة الوحيدة التي ترتبط بجوهر الرسالة.. ولم أشكك في قاعدة البيان.. وإنما ذكرت تقييد المطلق وتخصيص العام.. نحن هنا (في مثال آية “لا إكراه في الدين” وحديث “من بدّل دينه فاقتلوه”)، لسنا في وارد استعمال قاعدة تقييد المطلق ولا قاعدة تخصيص المجمل.. وإنما نحن بصدد النقض الكامل للمبدأ القرآني (وهو اصل من أصول الرسالة، وليس مجرد آية عبارة في القرآن): من حرية المعتقد إلى القتل على تغيير المعتقد.
أي قاعدة أصولية تسمح بأن نحوّل مبدا الحرية إلى مبدأ القتل (فعلا عن مبدأ الإكراه، وهو نقيض الحرية)؟
2- أنا متخصص وبخبرة 25 سنة في مجال التفكير المنطقي في علوم الكمبيوتر.. وكل القواعد التي تذكرها (التقييد، والتخصيص والبيان، إلخ) ليست قواعد دينية أو فقهية بقدر ما هي قواعد منطقية للتفكير السليم، وفهم الكلام والتعبير.. ونحن نعتمد نفس القواعد في صياغة تصورات النظم الإلكترونية المتطورة.. يعني، عقلي المتخصص في نظم المعلومات لا يختلف عن عقل الأصولي، باعتبار اعتمادها جميعا على قواعد متشابهة أو مشتركة.. فضلا عن قراءاتي المعمقة في الكتب المختصة (رسائل دكتوراه في الفقه وأصوله والتفسير والحديث والدراسات القرآنية، وغيرها)..
3- نأتي الآن لموضوع الحديث.. هناك حديث آخر (”… التارك لدينه المفارق لجماعته”): بعض الفقهاء يقترحون أن هذا الحديث هو تقييد أو تحصيص لحديث (من بدّل دينه فاقتلوه).. وهنا احد مكامن الخلل في كلام الأصوليين: كيف نقول عن حديث أوّل أنه قيّد مطلقا في القرآن.. ثم نتحدث عن حديث ثاني نقول أنه قيد أو خصص الحديث الأول؟ هذا يصبح نوعا من العبث بالمنطق في التعبير السليم..
4- ثم كيف نفهم الحديث الآخر في الصحاح: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ، فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَأَجَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ..
يعني، حتى النبي لم يطبّق حدّ الردة الذي أمر صحابته بتطبيقه؟؟
5- ثم ماذا نفعل بالآيات الأخرى التي تؤكد أن المرتد عن دينه حكمُه إلى الله يوم القيامة؟
﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (آل عمران: 177)﴾
﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة: 217).﴾
“كَيْفَ يَهْدِى اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ” (آل عمران: 86– 90).
﴿وفى السورة نفسها نجد قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (آل عمران: 177)﴾
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : الله يتكفل بعذابهم أليس هذا بدليل على أن المرتد حسابه على الله ؟
6- ثم كيف نقبل أن يأتي المبدأ القرآني مطلقا ويقيّده حديث نبوي؟ وكيف نقبل أن يأتي مبدأ قرآني عاما ويخصصه حديث نبوي؟ ألا يعني هذا أن يتحول الحديث إلى نص مهيمن على النص القرآني، بما يعني قلب الترتيب والسلطة؟
7- النبوة ليس من وظيفتها تقييد المطلق، ولا تخصيص العام.. وظيفتها هي فقط: البلاغ والبيان..