1- في سورة الإنسان: “إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا.. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا..”
هذه الآية تضع الشكر والكفر على طرفين متقابلين من الله: إما الاعتراف بنعم الله وشكره عليها، أو الجحود ونكران النعم..
2- وهذا هو جوهر سورة الفاتحة، وسر تكرارها اليومي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ..
هي اعتراف بالله، وإقرار بنعمه التي لا تحصى، والتي تستوجب الحمد والثناء والشكر الدائم..
3- أن تكون مؤمنا يعني أن تكون شاكرا لنعم الله مستحضرا لذلك في كل يوم.. في كل اليوم..
وأن تكون متأففا، جاحدا، منكرا، يعني أنك أقرب لذهنية الكفر (التغطية، الستر، عدم الاعتراف، عدم الامتنان الجحود)..
4- والحمد والشكر في كل يوم يعني بالضرورة تذكّر النعم، ومقاومة النزعة النفسية للتأفف والقلق والشك واليأس أمام حجم الابتلاءات التي قد تتعرض لها، وتبعدك عن الصراط المستقيم.. لذلك، شبّه القرآن اليأس والشكّ بأنه صفة من صفات الكفر، كما في قصة النبي يعقوب وبنيه، حين قال لهم: “يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ.. وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ” (سورة يوسف،87)
خلاصة: سورة الفاتحة هي شهادة تجديد الإيمان ورفض الكفر.. وهي شهادة تجديد الأمل والثقة في الله، والاطمئنان إلى مآلات الحياة عند الارتباط به، ورفض اليأس والشك.. إضافة:
حياة الإنسان قائمة على العقل.. وبدونه لا توجد قدرة على الفعل..
هذه الآية من سورة الإنسان تشير لنعمتي السمع والبصر، باعتبارهما الأداتين الرئيسيتين لتجميع المعطيات والصور، وإرسالها للعقل.. ليقوم وتخزينها أو تحليلها.. لا يمكن للعقل أن يقوم بوظيفته بدون سمع أو بصر..
ومع هذا، توجد آيات أخرى تشير لنعمة كبرى أخرى، وتشير إلى أن عدم الشكر عليها هو أيضا من الكفر…وهي نعمة الاستواء: (قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) سورة الكهف..
استواء الإنسان على رجليه (على عكس بقية المخلوقات) حرّر يديه للعمل والبناء..
ولولا استواء الإنسان على رجليه، وتحرير يديه، لما بُنيت الحضارة الإنسانية.
كلمة (رجل) و(رجال) لا معنى لها سوى التذكير بالاستواء.. ولا تعني الذكور..