من ذكريات فترة تديني الأولى، في صوم عاشوراء.. كان عمري بين 15-18 سنة، حين بدأت أهتم باتباع الفرائض، والسنن.. من باب تعلم التقرب إلى الله، وإظهار المحبة للنبي (ص) من خلال الاتباع.. وهي قضايا يكاد لا يوجد خطيب أو مدرّس ديني أو مربّي إلا ويذكّر بها ليل نهار، وفي كل المناسبات..
لدرجة أن كثيرا من السنن لم تعد سننا، وإنما تحولت لاشعوريا إلى فرائض.. وتحول التذكير بها أحيانا إلى نوع من الهرسلة النفسية، وأحيانا أخرى نوع من التنافس والتباهي..
ثم بدأت أفهم أن جميع الشعائر تحتوي على واجبات وسنن.. وأنّ السنّة في الفقه هي” ما يثاب على فعلها، ولا يعاقَب على تركها”، بما يخلق فضاء ومجالا للتنوع، والتكيف مع أوضاع نفسية وعملية مختلفة..
واكتشفت مبكّرا آية ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ من سورة البقرة.. وأتذكّر أنني كنت أحيانا أكررها، وأتوقف عندها طويلا للتأمل ومحاولة إدراك المقصود منها، وكيف تكون الطاعة ويكون الخضوع عن اختيار ودون إكراه.
واكتشفت أيضا أحاديث نبوية صحيحة من نوع: 1- يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا 2- إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولنْ يشادَّ الدِّينُ إلاَّ غَلَبه 3- ما نَهَيْتُكُمْ عنْه فَاجْتَنِبُوهُ، وَما أَمَرْتُكُمْ به فَافْعَلُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ، فإنَّما أَهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ علَى أَنْبِيَائِهِمْ 4- يا مُعاذُ، أفتَّانٌ أنت؟! (في النهي عن إطالة الإمام في الصلاة بالناس) 5- أفْلَحَ إنْ صَدَقَ (في من اكتفى بالفرائض في الصلاة والصوم، ولم يتطوع بالنوافل) 6- إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ (في أن التزام الرخصة والتخفيف عند المرض والسفر وغير ذلك من الظروف الخاصة هو ايضا طاعة عبادية) 7- يا عائشةَ ! ارْفُقِى ؛ فإنَّ اللهَ إذا أرادَ بأهلِ بيتٍ خيرًا أدخلَ عليهِمُ الرِّفق. 8- إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي على الرِّفق ما لا يُعطي عَلى العُنفِ، وَما لا يُعْطِي عَلى مَا سِوَاهُ 9- إِنَّ الرِّفقَ لا يَكُونُ في شيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ 10- إِنَّما بُعِثْتُم مُيَسِّرِينَ ولَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ
وعشرات الايات والأحاديث الأخرى التي تتحدث عن الحرية في التدين والتعبد والدعاء، وغير ذلك..
ثم اكتشفت توسّع الفقهاء والمحدّثين في مفهوم السنن، وأن كثيرا منها مرتبط بعادات النبي (ص) كإنسان ابن بيئته وعصره، وليس بالضرورة مسألة دينية محسوم في علاقتها بالوحي..
وبدأت أفهم أن تشدد بعض المتدينين في اتباع كل السنن، لا يحقق القرب من النبي، بل هو أدعى إلى مناقضة المنهج النبوي في الدعوة والبلاغ المبين..
وبحثت عن أحاديث يأمر فيها النبي أتباعه بالحفاظ على السنن، فلم أجد، بل كان يخيّرهم بين الاكتفاء بالواجبات، أو التطوع (الاختياري).. وكان يكتفي بالقول بأنه سيفعل كذا.. فمن شاء فليفعل ومن شاء لا يفعل.. مثل صوم عاشوراء: (إنّ هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء صام، ومن شاء فليفطر)..
وتحول تديني تدريجيا من تلك النزعة “السلفية” الصارمة، إلى تدين واعي، يبحث عن المعنى، والتوازن في الحياة.. وفاجأت أهلي وأقاربي بهذا التحول، بداية من سن 19-20 بعد أن اشتهرت بينهم في سني المبكرة بصفة “التزمت”، بأن أصبحت أحدّثهم عن الرحمة والتيسير والرخص وحرية الاختيار ، وأنّ ترك السنن لا حرج فيه، إلخ.. وأصبحت لا أعبّر عن ذلك بالكلام فقط، وإنما حتى بالممارسة، فلا ألتزم بصيام عاشوراء أو النوافل، ولا بالشفع والوتر، ولا بالتراويح، إلى غير ذلك، ليس تكاسلا ولا تهاونا، وإنما حبا في الحرية وتلذذا للاختيار.. واستمر هذا التخلص التدريجي من الصرامة السلفية قرابة العشر سنوات، وتحولت بدلا من ذلك الى الالتزام الأخلاقي والفكري والمنطقي الصارم..
(نعم: التزام الحرية والتيسير، يمكن ان يتحول الى التزام صارم).