بعد إدخالي لغرفة العمليات بالمستشفى، بقينا ننتظر طبيب التخدير (المبنّج) عشر دقائق، لأن حالة استعجالية استوجبت ذهابه إليها بسرعة.. وحين عاد، بادرني بالقول: “سأبدأ بوضع هذا السائل البارد، وبعدها أقول لك ماذا سأفعل”.. شعرت بالبرودة تصلني، وانتظرت كلامه بعدها. بعد لحظة أو لحظتين، سمعته يكلمني بصوت بعيد: “سيد محمد، هل تسمعني؟” فقلت له بلسان ثقيل: “نعم أسمعك”.. وكثرت الأصوات، فارتعبت من أن يبدأوا الجراحة ولم يقع تخديري بالكامل.. وكررت عدة مرات: “يا دكتور، يا دكتور، ما زلت أسمعكم.. أرجوك..” فقال لي: “هذا طبيعي.. وهذا ما نريده”.. فارتبكت ولم أفهم قصده.. ثم سألته: “هل بدأت العملية، أم انتهت؟”.. أجاب ضاحكا: “انتهينا، وسنعيدك بعد قليل إلى غرفتك”. هذه اللحظة حين تأملتها، ذكّرتني بلحظة الموت والانتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب.. وذكّرتني بالدعاء النبوي عند الاستيقاظ من النوم: “الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور”.. النبي (ص) شبّه النوم بالموتة الصغرى، رغم كونه ليس فقدانا كاملا للوعي.. فما بالك بالتخدير الكامل الذي يحصل في العملية؟ وتذكرت قول الله تعالى في بداية سورة الملك “الذي خلق الموتَ والحياة ليبلُوَكم أيّكم أحسنُ عملا”.. فانتبهت إلى أن البدء بذكر الموت ربما يوحي بالإشارة إلى تعاقب الأيام والنوم واليقظة، وليس الموت الحقيقي.. تساءلت: ما الحكمة من أن ينام الإنسان ويستيقظ يوميا، في حين أن الله كان بوسعه أن يجعل الإنسان مستيقظا بلا نوم إلى أن تقع موتته الكبرى؟ لا أدري، ولكن لعلها رحمة الله التي تجعل الإنسان يموت ويحيا دوريا، آلاف المرات، حتى يستشعر الفرص المتاحة له بطي صفحة من حياته وبدء صفحة جديدة، بوعي متراكم ونضج أكبر، وإمكانيات وقدرات مختلفة عما كان عليه في اليوم السابق.. يحيا الإنسان يومه، ثم يذهب في آخر الليل لفراشه كي يموت -بإرادته- موتته الصغرى، هادئا مطمئنا.. ليت الموتة الكبرى تكون هكذا، بدون سكرات، ينتقل فيه الإنسان بين العالمين بهذه السهولة والبساطة.. وينتهي إلى خاتمة سعيدة.. نسأل الله حسن الختام.
بين النوم والموت: درس من غرفة العمليات
بعد إدخالي لغرفة العمليات بالمستشفى، بقينا ننتظر طبيب التخدير عشر دقائق، لأن حالة استعجالية استوجبت ذهابه إليها بسرعة.