أيُّ آيةٍ هي أرجى آيةٍ في القرآن؟ بمعنى: الآية التي تعطينا أكثر رجاءً في رحمة الله يوم القيامة؟
من يطالع كلام الصحابة والسلف يكتشف سريعًا أنّه لا يوجد جواب واحد، بل أذواق وقراءات روحية مختلفة لنصّ واحد هو كلام الله عزّ وجلّ.
فيما يلي اختيارات الصحابة والسلف:
-
عليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمرو، وابن عمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ﴾ [الزمر: 53].
-
واختيار آخر منسوب لعليّ بن أبي طالب: ﴿إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].
-
عبد الله بن عباس: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ﴾ [البقرة: 260] في قصّة إبراهيم عليه السلام وسؤاله عن إحياء الموتى.
-
واختيار آخر منسوب لابن عباس: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: 6].
-
عبد الله بن مسعود: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّـهَ يَجِدِ اللَّـهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 110].
-
عبد الله بن المبارك: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22].
-
ابن عطية الأندلسي: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّـهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 47].
-
محمد بن علي الباقر: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 5].
-
ابن نفطويه (إمام اللغة): ﴿وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].
-
الإمام القشيري: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّـهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19].
-
واختيار آخر للقشيري: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ [محمد: 11].
-
التابعي أبو عثمان النهدي: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّـهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 102].
-
جعفر الصادق في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا…﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 32‒34].
⸻
ماذا يقول لنا هذا الاختلاف؟
-
أن الصحابة والتابعين لم يكونوا نُسَخًا متطابقة. يختلفون في الفهم والتذوّق والتأثر: واحد ينجذب إلى نداء التائبين، وآخر إلى سَعة المغفرة، وثالث يطمئن لذكر المولَى، ورابع يأنس باصطفاء الظالم لنفسه مع السابق بالخيرات في سياق واحد. هذا التنوع ليس خللًا، بل علامة حياة.
-
أن النبي ﷺ لم يفرض عليهم “فهمًا واحدًا” أو “آية واحدة” للرجاء. لو أراد لحسم المسألة وقال: أرجى آية هي كذا، ولا رجاء في غيرها. لكنّه ترك لهم مساحة التفاعل مع القرآن بحسب جراحهم وأسئلتهم وأحوالهم؛ يقرأون النصّ نفسه لكن كلٌّ يحمل إليه همَّه، فيخرج منه بمعنى يحيي قلبه من غير أن يخرج عن حدود اللغة والعقيدة.
-
أن غياب تفسيرٍ نبويٍّ لكلّ آية لم يمنعهم من التدبر. لم يقل أحد منهم: “لا أستطيع أن أتذوّق هذه الآية؛ لأنه لا يوجد فيها حديثٌ صريح يشرحها بالتفصيل”. كانوا يرون أن التفسير النبوي هادٍ ومُوجِّه، لا حاجزٌ يمنع بقية التدبر، وأن أبواب الفهم مفتوحة ما دامت منضبطة بأصول الإيمان ولسان العرب.
-
أن “أرجى آية” ليست رخصة للتمني ولا تذكرة للتواكل. إذا تأمّلنا هذه الآيات وجدناها كلها مقرونة بعمل: استغفار، توبة، اعتراف بالذنب، عفو عن الناس، صبر على البلاء، إيمان صادق، أو سعي في الخيرات… فالرجاء الصادق في القرآن رجاءٌ يتحرّك، لا رجاءٌ يغطّي على الإصرار.
-
أن الباب ما زال مفتوحًا لك أنت أيضًا. قد تكون أرجى آيةٍ في قلبك اليوم غير أرجى آيةٍ غدًا؛ تتبدّل جراحُك وتتبدّل معها مواطنُ رجائك، والقرآن واحد. المهم ألا تحبس نفسك في فهمٍ واحد جامد، ولا تترك الورعَ العلمي، ولا تتذرّع بغياب “نصّ جاهز” كي تُعطّل نعمة النظر والتدبّر.