كيف يصل المسلم إلى ربط هويته وانتمائه، ليس فقط بجماعته المحلية التي يعيش داخل شبكة أفرادها، وإنما بجماعة ضخمة بحجم العالم، لا تجمعها وحدة اللغة، ولا وحدة الثقافة والعادات والتقاليد، ولا وحدة السلطة السياسية؟ ومن يشاهد مواسم الحج، يدرك أن التنوع الثقافي للمسلمين أمر واقع.

يرى باباس (Babès) أن “الأمة الإسلامية” ليس وحدة قائمة ذات حدود واضحة، ولا تكتلا اجتماعيا، وإنما هي “أمة عقيدة”. وهذا يعني أن نبحث عن عوامل تشكل “الأمة الإسلامية” في التصور الاعتقادي للإسلام وفي التطبيقات المرتبطة به.

يجسد الانتساب للأمة الإسلامية المساواةَ الأخوية التي أعلنها القرآن الكريم: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (سورة الحجرات، الآية 10)، وفصّلها رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَخُونُهُ وَلاَ يَكْذِبُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ.. كُلُّ المُسْلِمْ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ.. التَّقْوَى هَهُنَا.. بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ” (7).

فالجميع متساوون، وليس أحد بأفضل من أخيه إلا بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات، الآية 14).

ومن الملاحظ هنا أن الخطاب القرآني والنبوي ألح في صياغته للرابطة الإيمانية على استعمال نفس مصطلح “الأخوة”، المستعمل عادةً للتعبير عن قرابة الدم والعشيرة (وهي أقوى الروابط البشرية)، وأفرغه من معاني العصبية الظالمة، ليجعله خالصا لمعاني الخير، كما جاء في الحديث الصحيح: “انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا.. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ” (8).