للتأمل: معنى معاصر لمفهومي “العرف” و”المعروف”

في سورة الأعراف : “خُذِ العَفْوَ وَأمُرْ ((بِالْعُرْفِ)) وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ”.. وفي سورة لقمان: “وأْمُرْ ((بالمعرُوفِ)) وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ”..

في كتب اللغة: 1- العُرْف: ما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم. ومنه العُرف الدولي: وهو ما تعارفت عليه الدول في معاملاتها.. أي أنه أمرٌ بالالتزام بما هو متعارف بين الناس من جود وكرم وفضائل أخلاق، فالناس عموما لا يتفقون على منكر ويتفقون على كل معروف. والجاهلون من الناس هم من يخالفون العرف، ويصنعون المنكر.. لذلك أمر الله بالإعراض عن الجاهلين. 2- المَعرُوف: المشهورُ والمَعْروفٌ. فهو اسم لكلِّ فِعلٍ يُعرَفُ حُسْنُه بالعقل أو الشَّرْع وهو خِلافُ المُنكَرِ. لو أخذنا هذا المفهوم بفهمه المعاصر، أقول:

العُرف هو ما يتواضع (يتفق) جماعة من الناس أو مجتمع أو دولة، على اعتباره معيارا لسلوكياتهم الجيدة..

وقديما، لم يكن الناس يوثّقون ذلك في مدونات سلوكية.. أما الآن، فنحن نتحدث عن “الميثاق المهني”، و”مدونة السلوكية”، و”المدونة الأخلاقية”، و”معايير المهنة”، و”أفضل ممارسات” (Best practices) .. في الصحافة، في السياسة، وفي أجهزة الدولة، وفي المنظمات، والجمعيات، والأحزاب، والهيئات القطاعية، إلخ..

مثلا، حين نتحدث عن قطاع تحليل الأعمال (Analyse d’affaires)، فإن معايير CBAP لأفضل الممارسات تصبح هي “العرف” القائم في المهنة.. ونفس الشيء بالنسبة لإدارة المشاريع (Gestion de projets)، معايير PMP تمثل “العرف” في المهنة.. نفس الشيء بالنسبة لمدوّنة الميثاق المهني في الصحافة أو الهندسة، إلخ..

القرآن “يأمر” (أمر وجوبيا) بالالتزام بالأعراف المتفق عليها اجتماعيا وتنظيميا، كونها :

1- تحدد المعايير الأخلاقية 2- توجّه السلوك وتحفّز الأفراد لاتّباع أعلى مستويات النزاهة والمسؤولية. 3- تبني الثقة والمصداقية 4- تُشعِر بالقدرة على تقديم خدمات أو منتجات ذات جودة عالية. 5- تساعد في اتخاذ القرارات الصحيحة والتصرفات السليمة. 6- توجّه السلوك في التعامل مع التحديات والمواقف الصعبة 7- تضمن الجودة والإتقان 8- تحدد المسؤوليات وتضمن الحقوق عند الاختلاف.

العرف، حين نطبّقه أيضا في مجالات أخرى، مثل الزواج (نتكلم عن الزواج العرفي)، يصبح المعنى السليم هو “الزواج على أحسن وأفضل ما تعارف عليه الناس لضمان سلامة الإطار الزوجي)..

وهذا يناقض تقريبا المفهوم الشائع لدى الناس من أن الزواج العرفي هو تخلص من “ضغط” المجتمع، و”أعباء” المجتمع في عقد الزواج. لأن المعنى الحقيقي هو أن تلتزم بالأعراف المتفق عليها، كممارسات جيدة ومقبولة، وغير منكرة، ولا تمثل عيبا اجتماعيا..