في القرآن: “إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ…”، “إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ…”، “وَإِلَى عَادٍ أخَاهُمْ هُوداً…” “إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ…”، “إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ…” “وَإِلَى مَدْيَنَ اَخَاهُمْ شُعَيْبا…”

قوم نوح كفار، وقوم لوط كفار، وقوم صالح كفار، وقوم هود كفار، وقوم شعيب كفار.. ومع ذلك أكّد القرآن على أن العلاقة بينهم وبين الأنبياء والصالحين والمؤمنين تبقى مهما حصل، علاقة أخوّة، وليست علاقة عداء..

هي إشارة إلى أن جوهر النبوات لا يعادي الناس على أساس الإيمان والكفر، ولا يدعو الأتباع إلى قتل المخالفين أو إدانتهم أو الصدام معهم أو مقاطعتهم أو اعتزالهم.. بل هي علاقة تعايش سلمي وإدارة إيجابية للخلاف.

وفي الحديث النبوي في حجة الوداع: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ.. وَالْمُسْلِمُ: مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.. وَالْمُجَاهِدُ: مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ.. وَالْمُهَاجِرُ: مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ”..

لم يقل: (المؤمن مَن أَمِنه “المؤمنون”) بل (من أمنه “الناس”).. ولم يقل (المسلم من سلم “المسلمون”) بل قال (الناس).. وهذا يبين قيمة الأخوة والانتساب إلى الإنسانية..

فما بالك بمن تختلف معه مذهبيا (شيعيا كان، أو سنيا، صوفيا أو سلفيا…)..

إضافة: نعم، يمكن أن يكون هناك قرابة نسب بين النبي وقومه (كما في حالة هود وعاد، أو صالح وثمود…)، لكن القرآن لم يكن مضطرًا لذكر هذه القرابة مرارًا في سياق تبليغ الرسالة لو لم تكن تحمل دلالة أعمق. لماذا لم يقل: “إذ قال لهم هود…” فقط؟ ولماذا أكّد في كل مرة على لفظ “أخوهم”؟ لأن هذا التوصيف يحمّل النبي صفة القرب الروحي والاجتماعي، ويُظهِر للمخاطب أنه لا يخاطبهم من علٍ، ولا من موقع القطيعة، بل من موقع الانتماء والحرص والمحبّة.

وهذه رسالة ضمنية قرآنية في التعامل مع المخالف، حتى الكافر، من موقع الرحمة لا القطيعة.

وأما القول إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين (في سورة الإسراء)، فهي تعبير عن التشابه في السلوك، وليس نفيًا لكل نوع من الأخوّة. فلا أحد يفهم أن التبذير يخلق نسبًا أو رابطة أخوّة حقيقية مع الشياطين، بل هي أخوّة في الصفات لا في الحقيقة..

لفظ “أخوهم” في القرآن ليس مجرد خبر عن النسب، بل هو توظيف بلاغي دقيق يُذكّر القوم بأن هذا النبي واحدٌ منهم، يحبّهم، يريد نجاتهم، لا يحتقرهم، ولا يعتزلهم، ولا يعلو عليهم.

وهذا المعنى هو الذي أردنا لفت الانتباه إليه: أن الأصل في دعوات الأنبياء هو الرحمة، لا العداوة.. والنبي لا يستعدي الناس لمجرد الكفر، بل يعالجهم بالحكمة، لا بالقطيعة أو التكفير أو الاستئصال..