سورة المسد ليست متعلقة بأبي لهب ! في العلاقة بين سورة “المسد” وسورة “قل هو الله أحد”
بسم الله الرحمن الرحيم تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ.
بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
سورة المسد وسورة الإخلاص متتاليتان في ترتيب المصحف المتفق عليه منذ عهد عثمان (111 و112)..
أما في ترتيب النزول، فسورة المسد هي السورة رقم 5 (حسب المصادر الإسلامية)، ورقم 3 حسب ترتيب المستشرق الألماني تيودور نولدكه (في كتابه المرجع: تأريخ القرآن). بينما سورة الإخلاص، نزلت الرابعة حسب المصادر الإسلامية، و44 حسب ترتيب نولدكه.
ما يلفت الانتباه هنا، هو ترتيب المصحف، الذي يجعل المسد مباشرةً قبل الإخلاص.. بينما ينعكس الترتيب في النزول بحيث نزلت الإخلاص مباشرة قبل المسد..
قافية الآيات (أو فواصل الآيات) تبين بوضوح أن الثانية استمرار للأولى بنفس الفاصلة: تبّ.. كسب.. لهب.. حطب.. مسد.. أحد.. صمد.. يولد.. أحد.
وهذا يشير لوجود علاقة ضرورية بين مواضيع السورتين..
وبمناسبة الفواصل، تعتبر فاصلة “ــد” في القرآن من الفواصل نادرة الاستعمال، حيث لا نجدها إلا في 4 سور:
- سورة المسد (مرة واحدة: فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ)،
- سورة الإخلاص (4 مرات: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.. اللَّهُ الصَّمَدُ.. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ.. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)،
- سورة البلد: (سبع مرات: بِهَذَا الْبَلَدِ.. وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ.. وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ.. لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ.. أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ.. يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُّبَدًا.. أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ)،
- سورة الفجر (مرتان: فَيَوْمَئِذٍ لّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ.. وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ)
سورة المسد تتحدث عن أبي لهب وزوجته في موضوع غير شخصي كما يظن البعض، حيث ظنوا أن السورة هي مجرد تصفية حساب بين النبي (ص) وعمه أبي لهب..
أبو لهب، اسمه الحقيقي عبد العزى. وموضوع السورة هو صنم العزى وليس شخص أبي لهب..
العُزَّى من آلهة العرب التي عبدها أهل مكة في الجزيرة العربية قبل الإسلام. وقد كانت طرفا في الثالوث الإلهي الذي يجمعها مع اللات ومناة، وتأتي في المرتبة الثانية بعد اللات ثم مناة؛
وعلى هذا الترتيب، وصفها الله في القرآن تقليلاً من شأنها، وتسفيهاً لعقول المشركين، واحتجاجاً على نسبة ما هو أنثوي إلى الله، والاستئثار بما هو ذكوري لهم ـ أي كفار مكة؛ حيث قال: “أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى* أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى* تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى” (النجم: 19-22).
كانت قبيلة قريش وقبيلة كنانة تخصها بالعبادة ويعبدها أيضا كل من والاهم. وحسب رواية ابن الكلبي (في كتابه: الأصنام)، فإن أول من اتخذ العزى إلهة يعبدها هو “ظالم بن أسعد”. وكانت تمثالا على شكل امرأة، وسماها العُزَّى (مؤنث الأَعَزّ) أي الأكثر عِزّة.. للإشارة إلى انها إلهة قوية عزيزة، تُعِز من عبدها وتعاقب وتنتقم ممن عاداها..
وقد كانت قريش تسميها “ملكة السماء”، وتخصها بالزيارة والهدية دون غيرها من الآلهة.. ووضعت لها منحرا تنحر لها القرابين.
و قد عرف عبادةَ العزى أيضا بعضُ الشعوب من اليمانيين وكانوا يسمونها “عُزيان”، وكان الأنباط وآل لخم ملوك الحيرة يعبدونها أيضا. إلا أن عبادة آل لخم للعزى كانت مختلفة و”متطرفة” بعض الشيء، فقد كانوا يتقربون إليها بالذبائح البشرية. فيقال أن المنذر ملك الحيرة قد تقرب للعزى بذبح ابن الملك الغساني الحارث. وقد ورد في تواريخ السريان أن المنذر بن ماء السماء قد ضحى بأربعمائة راهبة مسيحية للعزى. وذكر “إسحاق الأنطاكي” أن العرب كانوا يقدمون الأولاد والبنات قرابينًا للعزى فينحرونهم لها.
وكانت قريش تحملها معها في حروبها. وذُكِرَ أيضا أن في معركة أحد التي قامت بين قريش والمسلمين، حملت قريش آلهتها معهم لحمايتهم ونصرهم وكان ممن حملوا من آلهتهم: هبل واللات والعزى، فلما انتصر القرشيون في المعركة، صاح أبو سفيان قائلا: “اعلُ هبل” (أي اعلُ يا هُبَل) فقال المسلمون: “الله أعلى وأَجَلّ” فقال أبو سفيان: “لنا العُزّى، ولا عُزّى لكم” فقال الرسول: “ألا تجيبونه ؟” فقال المسلمون: “يا رسول الله وما نقول ؟” قال: “قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم”.
في بداية الإسلام، كان سادنَ العزى رجلٌ من بني سليم يقال له “أفلح بن نضر الشيباني”. يذكر ابن الكلبي في كتابه “الأصنام”، أنه لما حضرته الوفاة، دخل عليه عبد العزّى (أبو لهب) وهو حزين، فقال له أبو لهب: “ما لي أراك حزينا ؟” فقال أفلح: “أخاف أن تضيع العزى من بعدي”. فقال له أبو لهب: “فلا تحزن، فأنا أقوم عليها بعدك”.
فصار أبو لهب يقول لكل من لقيه: “إن تظهرِ العزّى (أي إذا ظهرت عبادتها، وأفل نجم الإسلام) كنت قد اتخذت يدا عندها بقيامي عليها (أي أني قد أرضيتها بأن عرضت أن أكون سادنا لها)، وإن يظهر محمد على العزى - ولا أراه يظهر - فابن أخي (أي أنه ابن أخي ولا أراه يغضب علي)”.
وتروي كتب الحديث والسيرة القصة التالية:
خرج النبي (ص) إلى بطحاء قريش، فصعد الجبل فنادى: يا صباحاه.. فاجتمعت إليه قريش، فقال: أرأيتم إن حدّثتُكم أن العدوّ مصبّحُكم أو ممسِّيكم أكنتم تصدّقُونِي؟ قالوا نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبّا لك!! وفي رواية: إنه قام ينفض يديه ويقول: تبّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله “تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ”.
تبت يدا أبي لهب وتب..
إشارة إلى عدم جدوى سخاء أبي لهب على رعاية صنم العزى.. وأن سخاءه سيؤدي به إلى لهب جهنم.. وكذلك الحال بالنسبة إلى امرأته التي كانت تشاركه في عبادة العزى بإشعال النار في الأخشاب المقدسة.. وكانت ترتدي قلادة من الأصداف كتعويذة تحميها من السحر.. فقال القرآن إن القلادة ستتحول يوم القيامة إلى حبل من مسد (حبل مصنوع من الألياف الخشنة).
سورة الإخلاص تبدو كنقيض لسورة المسد من الناحية المعنوية، ومن الناحية البلاغية أيضا. ففي المعنى، تشير إلى أن إعلان جوهر التوحيد (قل هو الله أحد) يأتي بعد هلاك رمز الشرك والصنمية. وفي الناحية البلاغية نلاحظ وجود كلمتين بينهما جناس “شبه” تام وعلاقة دلالية: المسد والصمد.. والجناس التام هو أن يتّفق اللّفظان في نوع الحروف وحركتها وعددها وترتيبها، وأن يختلفا في المعنى. وهنا مسد وصمد متجانستان تقريبا. فالمسد حبل يؤدي إلى الحتف والنهاية الحتمية في النار.. بينما الصمد يعني: الملجأ والصخرة الواقية التي تضمن نجاة المؤمنين.
ويأتي هذا التضاد متناغما مع التناقض التام بين السورتين، حيث الإخفاق التام للكافرين في الأولى، وانتصار المعتقد الجديد الذي يدعو إليه النبي محمد (ص) في الثانية.
من أوجه التعارض بين السورتين أيضا، استعمال وصف “أبي لهب”، أي: والد النار المشتعلة، الذي لا يلد إلا النار التي سوف تحرقه لاحقا، في مقابل الله الذي لم يلد ولم يولد. وكذلك استعمال لكلمة “امرأته” أي زوجته، مقابل الله الذي ليس له زوجة.. وأخيرا “ما أغنى عنه ماله وما كسب” التي تشير إلى أن جمع المال لا يوفر الملاذ لأحد، في مقابل “الصمد” الذي يحقق الملاذ الحقيقي.