عند الحديث عن الحد الفاصل بين الكفر والإيمان، عادةً ما نستحضر النصوص المتعلقة بالتَّوحيد، وأسماء الله وصفاته، والنبوة، والإيمان باليوم الآخر.. فمن التزم بهذه الأصول، كان مسلماً مؤمناً، ومن أنكر بعضها أو كلَّها، كان كافراً، أي: لا يُطلَق عليه صفة المسلم.
وهذه دائرة أولى في أصول الكفر والإيمان.. وهي دائرة نظرية..
ولكن عادة ما نغفل عن الدائرة الثانية العملية، التي تشكّل هي أيضا، حسب نصوص القرآن والسنّة، حدّا فاصلا بين الكفر والإيمان، وتتمثل في الالتزام الأخلاقي والسلوكي في علاقة الإنسان بغيره من المؤمنين وغير المؤمنين..
1- وهذا ما يعبّر عنه الحديث النبوي: “مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى”.
أي: أنَّ المسلمين يمثّلون وحدةً جسديّةً كيانيّةً، يتفاعل جميع أعضائها بكلِّ الأوضاع الجيدة والسيئة لأي عضو من الأعضاء، سواءً في حالة الصحة والعافية والنشاط، أو في حالة المرض وضعف الفاعلية وضعف المناعة، فلا ينفصل فيها عضوٌ أو جزءٌ في همومه وأحاسيسه عن العضو الآخر أو الجزء الآخر.
2- وهذا أيضا ما يعبّر عنه حديث نبوي آخر: “لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ”..
وليس المقصود هنا من الأخوة أخوّةَ الإيمان فقط، وإنما مطلق الأخوّة الإنسانية، بدليل وجود رواية أخرى صحيحة لنفس الحديث، في صحيح ابن حبان: “لاَ يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإيمَانِ حتَّى يُحِبَّ للنَّاسِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِن الخَيْرِ”..
وفي هذا دلالة على أن المؤمن يجب أن ينفتح على المؤمن الآخر خصوصا، والإنسان الآخر عموما، بإرادة الخير وفعل الخير، بلا تمييز..
هذان الحديثان، دلالة واضحة على أنّ الإيمان ليس مجرد حالة فكرية أو ثقافية، وإنما جوهره الأخلاق الاجتماعية، في جانبيها العاطفي-الشّعوري، والعملي-السلوكي.
3- وفي ضوء ذلك، نفهم أيضا حديث النبي (ص) في سنن أبي داود وصحيح ابن حبان، عن ابن عمر قال: صعِد رسولُ اللهِ (ص) هذا المِنبرَ فنادى بصوتٍ رفيعٍ وقال: “يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإيمانُ قَلْبَهُ، لاَ تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ، ولا تُعيِّرُوهُمْ وَلاَ تَطْلُبُوا عَثَراتِهِمْ.. فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْ عَوْرَةَ المُسْلِمِ يَطْلُبِ اللهُ عَوْرَتَهُ.. وَمَنْ يَطْلُبِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ”..
أي أنَّ السّلوك العدوانيّ الّذي يمارسه بعض المسلمين ضدَّ آخرين، بملاحقة عيوبهم، والتجسّس على عوراتهم، يمثّل انحرافاً عن مقتضيات وجوهر الإيمان..
ولذلك، يتوعّد النبي (ص) هؤلاء المنحرفين بعقاب الله في افتضاح أمورهم وكشف عوراتهم الخفيّة، كردّ فعلٍ على ممارساتهم.
4- في حديث آخر، يقول الرسول (ص): “لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخوانًا.. المسلِمُ أخُو المسلِمِ، لا يَظلِمُهُ ولا يَخذُلُهُ، ولا يَحقِرُهُ.. التَّقْوى ههُنا (وأشارَ إلى صدْرِهِ).. بِحسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخاهُ المسلِمَ.. كلُّ المسلِمِ على المسلِمِ حرامٌ: دمُهُ، ومالُهُ، وعِرضُهُ”.
هذا الحديث يحذّر من المؤاخاة الظاهريَّة الّتي ينفتح فيها المسلم على الآخر ليوحي إليه بالصَّداقة والأمن من جانبه، ولكنَّه يُضمر الخيانة باستغلال انفتاح الآخر عليه، وعاملِ الثقة والاطمئنان والمكاشفة، وعدم إخفاء العيوب والأسرار، لغشّه وخداعه وتضليله وتوظيفه..
وينبّه الحديث إلى أن هذه الشخصية المُضمِرة للخيانة والخداع إنما هي شخصية عدوانيّة منافقة، تمارس سلوكا يتنافى مع القاعدة الإيمانيّة الأخلاقيّة الَّتي تلزم المؤمن بفعل الخير وإرادة الخير لآخرين، والسعي لإصلاح أمورهم، وحماية أوضاعهم، وحفظ مكانتهم.
5- وفي الترمذي وصحيح الترغيب والترهيب: “دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: البَغْضَاءُ والحسدُ.. هِيَ الحَالِقَةُ.. لَيْسَ حَالِقَةَ الشَّعْرِ، وَلَكِنْ حَالِقَةَ الدِّينِ.. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا.. وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا.. أَلاَ أُنبِّئُكُمْ بِمَا يُثبِّتُ لَكُمْ ذَلِكَ (أي يثبّت لكم الحبّ)؟: أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ”.
والسلام هنا ليس مجرّد إلقاء التحية (السلام عليكم) على الآخرين، وإنما إفشاء مناخ السّلام في العلاقات الاجتماعية: بما يعنيه من عدل، ومحبة، ومودة، وثقة متبادلة، وتضامن، ومواساة، وتعاون، واهتمام، وعدم خيانة، وعدم إيذاء بالكلمة والفعل.. إلخ.
والحديث إشارةٌ إلى أن غياب أو عدم استحضار ثقافة السلام وروح السلام في العلاقات الاجتماعية يؤدي إلى حلق الدين، أي إلى تجفيف منابع الإيمان والتدين داخلَ النفس، ويؤدي بالتالي إلى حافة الكفر..
والحديث إشارة أيضا إلى أهميةِ ووجوبِ المبادرةِ للوساطة بين المتخاصمين، وإصلاحِ ذاتِ البَيْن، كما ورد في سورة الحجرات: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ”.. حتى تبقى العلاقةُ الإيجابيَّة قائمةً بين المؤمنين من دون أن تتأثّر بذلك سلبًا.
- خطبة جمعة ألقاها منذ خمس سنوات في المركز الإسلامي بجاتينو