﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيّه المؤمنون لعلّكم تفلحون﴾

من منّا لم يعصِ الله؟ من منّا لم تتغلّب عليه غرائزه وشهواته فشَرَد عن أوامر الله؟ كلّنا ذاك الرجل.

لكنّ القرآن والسنّة يعلّماننا شيئًا جوهريًا: المعصية بحدّ ذاتها لا تحجب العاصي عن ربّه. ما يحجبه حقيقة أن يعكف على العصيان ويتمادى فيه، وأن ينسى التوبة. أن يرتكب المعصية استخفافًا بمولاه واستكبارًا على حُكمه، دون أن يتذكّر الأوبة والرجوع.

”توبوا”: خطاب للجميع بمن فيهم الأنبياء

﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيّه المؤمنون لعلّكم تفلحون﴾

دعوة شاملة تشمل الرسل والأنبياء وسائر الناس. أمّا الأنبياء فليسوا يعصون — فهم معصومون — لكنّ دعوتهم إلى التوبة دعوة لأن يكونوا أكثر أداءً لحقوق الله وشكرًا لنعمه.

سيّد المرسلين كان سيّد التوّابين. وهو القائل: «إنّه ليُغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة مرّة». من أيّ ذنب كان يستغفر وهو المعصوم؟ من شعوره بأنه مقصّر في أداء حقوق الله. فأين نحن — نحن الذين نعصي الله في اليوم والليلة، ونشرد عن الكثير من أوامره ونواهيه؟

الله يلاحقنا برحمته

حين نقارن بين دعوة الله لنا إلى التوبة وبين عكوفنا على أهوائنا، نشعر بالخجل. تأمّلوا:

في الحديث القدسي: «يا عبادي إنّكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم».

نداء من الله يلاحقنا ونحن راكضون إلى أهوائنا، لا نلتفت.

«إنّ الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار».

دعوة للعاصين — لا للطائعين — يلاحقهم الرحمن في كل يوم وليلة، باسطًا كفّ رحمته: عودوا إليّ، اصطلحوا معي، أُصلح لكم حالكم، أُطهّركم من رجس أهوائكم.

«ينزل الله إلى السماء الدنيا في كلّ ليلة في الثلث الأخير فينادي: ألا هل من مستغفر فأغفر له؟ ألا هل من سائل فأعطيَه؟ ألا هل من داعٍ فأجيبَه؟»

لسنا مطالبين بالعصمة

لا ندعو إلى أن نكون معصومين — هذا مستحيل. ﴿وخُلق الإنسان ضعيفًا﴾. وقال صلى الله عليه وسلم: «كلّ ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون».

لكنّنا مطالبون بألّا نبتعد عن مُغتَسل التوبة. حوض التوبة أمامنا، فلنغتسل فيه كلّما تدنّسنا بمعصية.

مَن يحبّهم الله؟

ليسوا المعصومين — فكم كان ذلك صعبًا علينا. بل:

﴿إنّ الله يحبّ التوّابين ويحبّ المتطهّرين﴾

يحبّ العاصين الذين لا يعكفون على عصيانهم، بل سرعان ما يستيقظون ويندمون ويعودون قائلين: يا ربّ، ما عصيتُك استكبارًا على أمرك، ولكن لسابقة سبق بها قضاؤك، فالمغفرة منك والتوبة إليك.

محبّة الله تتّسع لعباده جميعًا، بشرط واحد: أن يلتفت أحدنا إلى الله بعد نسيان.

الأوّاب: كثير الشرود… كثير العودة

﴿وأُزلفت الجنّة للمتّقين غير بعيد * هذا ما توعدون لكلّ أوّاب حفيظ * من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب * ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود﴾

الأوّاب صيغة مبالغة من آيب — أي الراجع إلى الله بعد شرود. ولا يكون الإنسان كثير الأوبة إلا إذا كان كثير الشرود عن بابه. هؤلاء هم المتّقون الذين يعنيهم الله.

المحسنون أيضًا يُخطئون

﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم وجنّة عرضها السماوات والأرض أُعدّت للمتّقين * الذين ينفقون في السرّاء والضرّاء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحبّ المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يُصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾

المحسنون — الذين يحبّهم الله — يُتوقَّع منهم أن يفعلوا الفاحشة أو يظلموا أنفسهم. لكنّ الفارق أنهم لا يُصرّون. يتذكّرون فيستغفرون.

الفرق بين المؤمن وغيره

المؤمن إذا عصى شعر بمثل لدغة الثعبان في كيانه. توقظه هذه اللدغة فيؤوب إلى الله. يقول له الله: مرحبًا بك.

﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾

﴿وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثمّ اهتدى﴾

مائدة الرحمن مفتوحة، ونداؤه موجّه إلى كلّ واحد منّا: أقبِلوا، توبوا، ارجعوا. اصطلحوا معي أصطلح معكم.