بين الفردية والجماعية

خلق الله الإنسان مفطورًا على نزعتين متناقضتين في الظاهر: إحساسه بفرديته، وميله للاجتماع بالآخرين. كيان المجتمع يقوم أساسًا على محاولة التوفيق بينهما. والإسلام بدلًا من أن يُلغي إحداهما، يغذّيهما معًا ويجعلهما متساندتين.

الفرد المسلم الذي يريد أن يحيا حياة إسلامية صحيحة في مجتمع تحكمه قيم غير إسلامية، لن يستطيع التخلّص من ضغط تلك القيم ما لم يعش في جماعة مسلمة تعيش المفاهيم الإسلامية. ولعلّ من الدلائل على ذلك أن أغلب التكاليف الشرعية في القرآن تتوجّه بصيغة الجمع ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وليس بصيغة الفرد.

التديّن الفردي لا يكفي

عندما ننظر إلى واقع المسلمين، نجد أن كثيرين بلغوا حدًّا مقبولًا من التديّن الفردي: عقيدة مستقرّة، وثقة بالإسلام تمنحهم الصمود أمام الشبهات. لكنّ المفارقة تظهر في الشقّ الجماعي. كثيرون ممّن يمثّلون مستويات جيّدة من التربية الشخصية لا يزالون بعيدين عن أدنى المطلوب للعمل المشترك.

والأغرب أن بعضهم يُتقن العمل الجماعي في وظيفته أو جامعته، لكنه يعجز عن ذلك حين يتعلّق الأمر بالعمل الإسلامي. وعذره المعتاد أنه لا يريد أن يُقيّد نفسه بالتزامات ليس لها مبرّرات واضحة، وأنه سيبادر حين يرى أمرًا إيجابيًا تتحرّك الجموع لتحقيقه.

لكنّ فنّ التعاون يحتاج إلى تدريب مستمرّ. من يظنّ أنه يستطيع أن يكون فاعلًا في أيّ عمل جماعي دون إعداد، كمن يظنّ أنه قادر على خوض معركة شاملة لأنه أتقن استعمال سلاحه الفردي.

متطلبات العمل الجماعي

من استقراء المنهج القرآني في التربية، تتبيّن متطلبات أساسية:

  • الامتثال الواعي: الطاعة المخلصة فيما أحبّ المسلم أو كره، مع القدرة على التمييز بين ما تجب فيه الطاعة وما لا تجوز فيه المتابعة.

  • التكيّف مع الدور: القدرة على قبول موقعه في البنيان الجماعي بغضّ النظر عن تفضيلاته الشخصية. كثيرون يعتذرون بأنهم يتضايقون من فلان أو لا ينسجمون مع أسلوب فلان، وهذه مشاعر يُفترض أن تُضبط.

  • تحمّل المخالفة: امتلاك القدرة النفسية لاحتمال أن تُخالَف آراؤه دون أن يشعر بخيبة أمل تُبعده عن الفاعلية.

  • سعة الأفق: تقبّل الاجتهادات المختلفة، والقدرة على التعاون مع مستويات متفاوتة في الفهم والوعي.

  • لغة العطاء: الإسلام يسمو بالفرد حين يعلّمه لغة الواجب والأداء بدل لغة المطالبة بالحقوق.

  • الرفق: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يكون الرفق في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه.” وقال: “إن الله رفيق يحبّ الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.” والرفق من أخلاق المؤمنين، والمداهنة من أخلاق المنافقين.

  • حسن الظنّ: فهم دوافع الآخرين مع قبول أعذارهم والبعد عن التجسّس والطعن.

  • التفاؤل العملي: القدرة على العمل والاستمرار ضمن ظروف اليأس وظواهره.

التعاون فريضة لا خيار

التعاون بين المسلمين من أوجب الواجبات. أهدافنا وتبعاتنا أكبر من أن ينهض بها شخص بمفرده أو مجموعة بمفردها. ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

جهود العاملين حاليًا لا تكفي كمًّا ولا كيفًا لتلبية حاجات المسلمين في عالمنا. وقد تعوّدنا أن نبرّر قصورنا بإلقاء اللوم على الظروف أو الحكّام أو الاستعمار. لكنّ كثيرًا من الحاجات الحيوية نستطيع تلبيتها ولا يحول بيننا وبينها حائل من خارج ذاتنا. غير أننا لا نفعل لحوائل من أنفسنا التي استعبدتها الدنيا. والمعاذير كلّها تزول إن صادف الأمر المطلوب هوى في النفس أو منفعة عاجلة.

المواجهة الصادقة مع الذات

الصدق في مواجهة أنفسنا وواقعنا والاعتراف الجريء بمسؤوليتنا شرط في كلّ تغيير حقيقي. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

نحتاج عناصر عالمية المستوى في كلّ مجال، متعاونة ومتكاملة باختصاصاتها. المسلم الحقيقي لا يشعر بمسؤوليته عن نفسه وأمّته فحسب، بل عن الإنسان وهدايته ومصيره، ويترجم ذلك إلى جهد حقيقي وموقف عملي.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمن يألَفُ ويُؤلَف، ولا خير فيمن لا يألَف ولا يُؤلَف. وخير الناس أنفعهم للناس.”