سورة لقمان سورة مكية نزلت بعد سورة الصافات، وآياتها أربع وثلاثون آية. يمكن أن نسمّيها “سورة تربية الأبناء” لما تحمله في طيّاتها من أساليب وتوجيهات تربوية يحتاج إليها الآباء والأمهات في تربية أبنائهم على المنهج القرآني.

والسورة تتمحور حول عصارة الحكمة وتجربة الحياة لرجل عادي ليس من الأنبياء، ولكن الله آتاه الحكمة: ﴿وَمَنْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. وينقل لنا القرآن ستّ وصايا للقمان الحكيم تلخّص المنهج التربوي الذي يكفل لأي طفل — إن التزم بها — أن يكون من عباد الله الصالحين.

الوصية الأولى: توحيد الله

هذا الموضوع نراه واضحا في السورة كلها، لأن أول ما يجب أن ننشئ أطفالنا عليه هو توحيد الله تعالى وعدم الشرك به. وتعليم التوحيد كما يشير إليه لقمان يجب أن يكون نظريا وتطبيقيا كي يرسخ في ذهن الطفل:

﴿يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱلله إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

بدأ بالدرس النظري في التحذير من الشرك، ثم بعد آيتين انتقل للدرس العملي:

﴿يٰبُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱلله إِنَّ ٱلله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾

ومن هذه الآيات نستفيد أن الأمثلة التي نضربها للأطفال يجب أن تتماشى مع سنّهم وفهمهم.

الوصية الثانية: برّ الوالدين

تعريف الأبناء بفضل الآباء عليهم حتى يعرفوا معنى الشكر — شكر الله وشكر الوالدين:

﴿وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ﴾

وحتى عند الأمر ببرّ الوالدين، يأتي التذكير بعدم الشرك ولو كان طاعة للوالدين: ﴿وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾. وتأتي قاعدة التوازن: ﴿وَصَـٰحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾.

الوصية الثالثة: العبادة والإيجابية

﴿يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾

ليست التربية أن تؤمّن لأطفالك الطعام والشراب والمسكن والملبس فقط — فهذه أمور طبيعية من أساسيات الفطرة الاجتماعية للبشر. التربية الحقيقية هي التي تساعد الطفل على التحلّي بمكارم الأخلاق والابتعاد عن مساوئها. والصلاة من أهم العوامل المساعدة على ذلك لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.

ولا يكفي أن نجعل من الطفل عبدا صالحا لنفسه، بل يجب أن نحرص على جعله عنصرا فاعلا وإيجابيا في المجتمع. ولذلك قرن لقمان في وصيته بين الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن هذه العناصر الثلاثة تشكّل قمة الإيجابية في حياة الفرد.

الوصية الرابعة: حقيقة الدنيا

هناك آباء يربّون أبناءهم على الترف والاعتماد على مال آبائهم، ظنّا منهم أنهم يؤمّنون لأولادهم كل ما تتطلبه الدنيا. لكن المطلوب هو تعريف الأبناء بحقيقة الدنيا وحالها المتقلّب، وأن الدنيا لا تدوم لأحد، وأنه لا بدّ للأبناء من الاعتماد على أنفسهم:

﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ، إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ﴾

الوصية الخامسة: الذوق والأدب

﴿وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ ٱلله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾

لا بدّ من التعامل مع الناس بأدب وذوق حتى في أدقّ التفاصيل — في المشي والصوت. فلا يرفع المرء رأسه استعلاء على الناس، ولا يمشي بكبرياء وخيلاء، ولا يرفع صوته أكثر مما يحتاج إليه السامع.

الوصية السادسة: تحديد الهدف والتخطيط للمستقبل

هذا من المعاني التي ذكرها بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ﴾. فمن معاني هذه الآية: أن تضع قصدا وهدفا وراء كل خطوة تمشيها، فلا تعيش في الحياة زائدا عليها دون أن يكون لك أي هدف فيها.

الحنان قبل الموعظة

من الملاحظ أن هذا الكمّ من التوجيهات التربوية قد غلّفه الأب بحنان وعاطفة شديدين. عندما نقرأ هذه الآيات نشعر بلقمان، ذلك الرجل الهادئ، الذي يعظ ابنه برقّة ويقول له قبل كل موعظة: ﴿يٰبُنَيَّ.. يٰبُنَيَّ﴾. السورة تقول للآباء: صاحِبوا أولادكم واكسبوا مودّتهم قبل أن تعظوهم.

التوحيد محور التربية

لأن توحيد الله محور أساسي في تربية الأبناء، ركّزت السورة عليه من خلال آيات عديدة. ففي الآيات العشر الأولى تركيز على هذا المعنى، ثم تأتي الآية العشرون: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱلله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾، إلى أن نصل إلى الآية السابعة والعشرين:

﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَـٰتُ ٱلله إِنَّ ٱلله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

مثال رائع في استخدام عناصر الطبيعة التي يراها الناس أمام أعينهم — كبارا وصغارا — لتربيتهم على إدراك علم الله وإحاطته بالخلائق.

التقليد الأعمى مرفوض

السورة تركّز أيضا على خطورة تربية الأبناء على الاتباع الأعمى لمعتقدات الآباء دون فهم أو إدراك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱلله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا﴾. ثم تؤكد أن كلّا من الأب والابن مسؤول بمفرده عن عمله يوم القيامة: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾.

الخاتمة: خمس غيبيات

ختمت السورة بالتركيز على علم الله وقدرته وعجز الخلق عن الإحاطة بغيبه:

﴿إِنَّ ٱلله عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱلله عَلَيمٌ خَبِيرٌ﴾

خمس غيبيات لا يعلمها إلا الله: موعد القيامة، ووقت نزول المطر، ونوع الجنين قبل التكوين، وأحداث المستقبل، وأين نهاية الأجل ومكان الدفن. وفي هذا تربية عظيمة للأطفال كي يعرفوا قدر خالقهم وعلمه ومراقبته. وتلك قمّة الحكمة التي يمكن أن يبلغها الوالدان لأبنائهما. ولعل ذلك هو السرّ الذي من أجله وُصف لقمان بالحكيم.