رسالة “أيها الولد المحب” للإمام أبي حامد الغزالي تحتوي على نصائح قصيرة لكنها لاذعة — من معلّم إلى تلميذه. أعرض هنا بعضها بشيء من التصرف.
الانشغال بما لا يعني
من جملة ما نصح به رسول الله أمته: “علامة إعراض الله تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه، وإن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خُلق له لجدير أن تطول عليه حسرته، ومن جاوز الأربعين ولم يغلب خيرُه شرَّه فليتجهز إلى النار.”
وقال: “من حسن إسلام المرء تركُ ما لا يعنيه.” في هذه النصيحة وحدها كفاية لأهل العلم.
النصيحة سهلة، والمشكل قبولها
يقول الغزالي: لا تكن من الأعمال مفلسا، ولا من الأحوال خاليا. وتيقّن أن العلم المجرد لا يأخذ باليد.
لو قرأت العلم مائة سنة، وجمعت ألف كتاب، لا تكون مستعدا لرحمة الله إلا بالعمل. لأن الله قال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (النجم:39)، وقال: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ (الكهف:110)، وقال: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ (مريم:60).
ما لم تعمل لم تجد الأجر
يُحكى أن رجلا من بني إسرائيل عبَدَ الله سبعين عاما. فأراد الله أن يُجليه على الملائكة، فأرسل إليه ملَكا يخبره أنه مع تلك العبادة لا يليق به دخول الجنة. فقال العابد: “نحن خُلقنا للعبادة، فينبغي لنا أن نعبده.” فلما رجع الملك قال الله: “إذا هو لم يُعرض عن عبادتنا، فنحن مع الكرم لا نُعرض عنه. اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له.”
والنبي قال: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن تُوزنوا.”
وقال علي بن أبي طالب: “من ظنّ أنه بدون الجهد يصل فهو متمنٍّ، ومن ظنّ أنه ببذل الجهد يصل فهو مستغنٍ.”
وقال الحسن البصري: “طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب.” وقال: “علامة الحقيقة ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل.”
والنبي قال: “الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني.”
ما الذي يدفعك للسهر؟
يسأل الغزالي: كم من ليال أحييتها بتكرار العلم ومطالعة الكتب وحرّمت على نفسك النوم — ما كان الباعث؟
إن كانت نيتك عرَض الدنيا وجذب حطامها وتحصيل مناصبها والمباهاة على الأقران — فويل لك ثم ويل لك.
وإن كان قصدك إحياء شريعة النبي وتهذيب أخلاقك وكسر النفس الأمّارة بالسوء — فطوبى لك ثم طوبى لك.
عش ما شئت فإنك ميت
جاء جبريل إلى النبي فقال: “يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزيّ به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه. واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزّه استغناؤه عن الناس.”
أربعة شروط للاستقامة
لا يستقيم حالك إلا بأربعة أمور:
- اعتقاد صحيح لا بدعة فيه.
- توبة نصوح لا يُرجع بعدها إلى الذلة.
- استرضاء الخصوم حتى لا يبقى لأحد عليك حق.
- تحصيل من علم الشريعة ما تؤدي به أوامر الله.
ثلاثة أركان للعبودية
العبودية ثلاثة أشياء: محافظة أمر الشرع، والرضا بالقضاء والقدر وقسمة الله، وترك رضا نفسك في طلب رضا الله.
والتوكل: أن يستحكم اعتقادك بأن ما قُدّر لك سيصل إليك لا محالة وإن اجتهد كل مَن في العالم على صرفه عنك، وما لم يُكتب لك لن يصل إليك وإن ساعدك العالم أجمع.
والإخلاص: أن تكون أعمالك كلها لله، ولا يرتاح قلبك بمحامد الناس ولا تبالي بمذمّتهم. واعلم أن الرياء يتولّد من تعظيم الخلق.