سؤال مفاجئ في آية الردة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾
حين نتأمل هذه الآية يستوقفنا سؤال: لماذا الحب هنا وليس اليقين العقلي؟ الذي يرتدّ عن الإسلام يُفترض أنه ارتد بسبب شبهة أو شك تسرّب إلى عقيدته. فكان الأولى بحسب الظاهر أن يقال: “فسوف يأتي الله بقوم أرسخ منكم يقينا وأرسخ منكم عقيدة”. لكن الآية تقول: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. وكأن المشكلة كامنة في فراغ القلب من الحب، لا في فراغ العقل من البرهان.
العقل وحده لا يكفي
الإنسان عقل يُدرك وقلب هو مكمن العواطف الدافعة والرادعة. حين خاطب الله الإنسان وأمره بالإيمان، طلب منه أن يُخضع كلا من عقله وعواطفه لهذا الإيمان. فلو أن إنسانا أيقن بالله عقليا وقلبه فارغ من حبه وتعظيمه ومهابته، أو كان شديد العاطفة لكن عقله فقير في البراهين، فإن إيمانه سيكون ناقصا وأعرج.
وعلماء النفس يؤكدون أن الإنسان يندفع إلى أفعاله من منطلق رغباته العاطفية أكثر من قناعاته العقلية. الحب هو الذي يحرّك الإنسان ويسوقه وليس العقل. وهو الذي يبعث صاحبه على الصبر على المكاره.
الردة مرض في القلب لا في العقل
من هنا ندرك عمق البيان الإلهي: الذين يرتدون عن دين الله لا يرتدون بسبب شك بعد يقين. لا، لا يرتد من ذاق طعم الإيمان إلا نتيجة هوى هيمن على قلبه: حبّ غير الله من عصبيات وأنانيات وشهوات ومصالح شخصية. تغلّب هذا الحب الأرضي على كيان الإنسان فكان هو السائق. وما إن يقوم تناقض بين أوامر الله وبين حبه الأرضي حتى يُؤثِر محبته لشهواته على إيمانه.
ولهذا يَعِد الله ويتوعد: سيأتي بقوم جعلوا قلوبهم أوعية لمحبته، لم يُبتلوا بمرض الهوى المسيطر.
ثلاثة مداخل لمحبة الله
كيف نجعل قلوبنا منبعا لمحبة الله؟ عوامل الحب في حياة الإنسان لا تزيد على ثلاثة:
الجمال الذي يأسر القلب
إذا كنت ممن ينساق وراء الجمال، فاعلم أن مصدر الجمال في الكون كله واحد لا ثاني له. كل ما علينا ونحن ننظر إلى صور الجمال أن نخترق الصورة إلى المصوّر. تماما كمن يدخل معرض فنان فيرى لوحات فنية جميلة، فلا يخرج من المعرض إلا وقد أحب ذلك الفنان رغم أنه لم يره. نحن ندخل معرض هذا الكون وننظر إلى أنواع كثيرة من الجمال تعشقها العين والأذن والأنف. أفلا نحب هذا الإله كما أحب ذلك الإنسان الفنان الذي رسم؟
الإحسان الذي يهيمن على النفس
الإحسان أشبه بشجرة كثيرة الأغصان: إن نظرنا إلى الأعلى نتيه في أغصانها، لكنها كلها تنتمي إلى جذع واحد. الإحسان من حيث النظر السطحي يأتي من جهات كثيرة، لكن ما هذه الجهات إلا وسائط أرسلها الله بهذا الإحسان إليك: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
حين أُدخل اللقمة في فمي وأمضغها، تطحن الأضراس مضغة اللحم ويبقى اللسان في منجاة من هذا الخطر. لو أنني ركّزت على ذلك عند الأكل لقضمت لساني. هذا نوع واحد من أنواع إحسان لا تُحصى. فالمحسن الأوحد في الكون إنما هو الله.
العظمة التي تبهر البصائر
وإن كنت ممن يُؤخذ بالعظمة ومظاهرها، فهل من عظيم إلا وهو من صنع الله؟ ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
ثلاثة عوامل كلها مجتمعة في ذات الله سبحانه وتعالى.
الحب يولّد الحياء
الإنسان الذي يستبين حب الله لا بد أن يستغرق في حالة من الحياء: يا رب، تمنّ عليّ بكل هذه النعم وأنا المقصّر في حقك؟ كيف لا أستحي حين أعصيك وأنت الرقيب عليّ؟
ولعل من هنا ندرك سرّ تقديم محبة الله لعباده على محبتهم له: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ولم يقل: يحبونه ويحبهم. الله يبدأ بحبه لنا ونحن نبادله. كم تشعّ هذه الآية حبا وتكريما لهذا الإنسان الكريم على الله.
الحب علاج لمشكلاتنا الكبرى
ما علاقة هذا الحب بمشكلاتنا؟ مشكلاتنا كثيرة ومتنوعة، لكنها تعود جميعا إلى مشكلة واحدة هي الأمّ: تدابر المسلمين وتفرقهم. وعنها نتجت مشكلة الفقر بعد الغنى، والضعف بعد القوة، والهوان بعد العز، والتخلف بعد التقدم.
وسبب هذا التفرق أن القلوب فرغت من محبة الله وامتلأت بمحبة الأنا: الشهوات والأهواء والعصبيات والمصالح الشخصية. حلّت الأثرة بدل الإيثار، والأنانية بدل التضحية.
العلاج: أن نعود إلى هذه القلوب فنطهّرها من محبة غير الله. هذا هو العلاج الذي أخذ جيل الصحابة أنفسهم به. كانوا متدابرين أكثر من تدابرنا، متفرقين ومتحاربين، لأن قلوبهم لم تكن تعرف إلا محبة الذات والأهواء والعصبيات. فلما تألّق الإيمان في عقولهم ثم سرى من العقول إلى القلوب حبا وعاطفة، وجدوا أنفسهم أمام: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.
ما يصدق على الجماعة الصغيرة يصدق على الجماعة الكبيرة. فالإنسان هو الإنسان، وقلب الإنسان هو قلب الإنسان.