قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين” (البخاري ومسلم).
سؤال قد يخطر ببال أي قارئ لهذا الحديث: هل كان الرسول يتكلم بدافع من إعجاب بنفسه حين اشترط على أتباعه أن يحبّوه ليُقبل إيمانهم؟
ليس زهوا، بل تبليغ أمانة
الجواب أن ما قاله النبي كان تبليغا لأمر إلهي. لو لم يبلّغه لخان الأمانة. والقرآن نفسه يؤكد هذا المعنى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (التوبة:24).
الآية لا تطلب مجرد تصديق عقلي. تطلب حبا يتقدم على كل الروابط الأخرى.
لماذا الحب وليس فقط الاتباع؟
في آيات كثيرة يبيّن القرآن أن الإيمان العقلاني وحده لا يكفي. لا بد أن يُتوّج بالحب. والحب انفعال قسري وليس فعلا اختياريا.
وقد كان الله حكيما ورحيما إذ صاغ نبيه محمدا على مزايا وأخلاق قلّ أن نجد من تمتع بمثلها. والسبب: أن من ألطاف الله بعباده أن ييسّر السبيل إلى محبة رسوله وهيمنته على عرش أفئدتهم.
كل من كان سليم الطوية، ووقف على شمائل الرسول وأخلاقه، لا بد أن يتشرّب قلبه حبه. فكيف بمن رآه عيانا؟
والطريق بسيط: ادرس سيرة رسول الله، وقف على شمائله، وكن صافي النفس عن الشوائب — تجد نفسك تحبه.
الحب ليس مرادفا للاتباع
هنا خطأ شائع يجب التنبه إليه: يتوهم البعض أن المحبة هي عين الاتباع. والصحيح أن المحبة هي الوقود الذي يشتعل في طوايا القلب فيدفع صاحبه إلى الاتباع.
لو كانت المحبة مجرد اتباع، لكان المنافقون في مقدمة من يحبون الله ورسوله. فقد كانوا يصومون مع الصائمين ويصلون مع المصلين ويزكون مع المزكين، وربما خرجوا في الجهاد مع المجاهدين. لكن قلوبهم كانت خاوية من الحب.
فارق واحد بيننا وبين الصحابة
المشكلات التي نعاني منها اليوم ليست بأخطر مما واجهه الصحابة. بل كانت مشكلاتهم أشد وأطمّ. فما الذي جعلهم يتغلبون عليها وجعلنا نقع تحت أسرها؟
فارق واحد: أفئدة الصحابة كانت فياضة بحب الله وحب رسوله. أفئدتنا — في أكثر الأحيان — فياضة بحب الدنيا وشهواتها وأهوائها.
لا نختلف عنهم في الإدراك العقلي. لعلنا نملك من الأدلة العلمية على عقائد الإسلام أكثر مما كانوا يملكون. ما أكثر ما كتبنا وفلسفنا عن وجود الله ونبوة الرسول. ولعلنا مثلهم في ظاهر الاتباع: مساجدنا تفيض بالراكعين والساجدين، والحجيج يتزايد كل عام.
الفرق الجوهري: قلوبهم كانت أوعية لحب الله ورسوله. قلوبنا غدت أوعية لحب الدنيا والعصبية والذات.
”أنت مع من أحببت”
يروى أن صحابيا أضناه النحول، فسأله النبي عن السبب، فقال: “إن الذي أضناني هو علمي بأن الناس إذا قاموا غدا إلى رب العالمين، فسوف يكون لك مقام عليّ لن يناله مثلي، وسأكون محجوبا عنك. وأنا اليوم لا أصبر عن رؤيتك ساعة من نهار.” فقال له النبي: “أنت مع من أحببت.”
وقال صحابي آخر حين سُئل عما أعدّ للساعة: “ما أعددت لها كثير صلاة ولا كثير صيام، ولكني أحب الله ورسوله.” فقال النبي: “أنت مع من أحببت.”
الارتداد الصامت
تأملوا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (المائدة:54).
سبب الارتداد الذي تنذر به الآية ليس بالضرورة شكا بعد يقين. بل هو ذلك المسخ الذي نراه في أنفسنا: أن يتحول إسلامنا إلى إسلام فكر وكلام ومقارعة مذهب بمذهب، بينما تخلو الأفئدة من محبة الله ورسوله وتُحشى بمحبة الأغيار.
لهذا جاء التعبير القرآني: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ — قوم لا يعانون من ذلك المرض.