جرت العادة في عيد الأضحى أن يركّز الخطباء على ربط العيد بقصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وقلّما يلتفت أحد إلى خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع. وهي خطبة تستحقّ أن تُقرأ بوصفها بيانًا عالميًّا في حقوق الإنسان.

وثيقة دستورية

في هذه الخطبة ذكّر النبي بمبدأ المساواة بين الناس في أصل العنصر، والمساواة بين الحاكم والمحكوم، والمساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات. تحدّث عن حقوق المرأة، وحقوق الزوجة، وحقوق الأزواج، وحقوق الناس بعضهم على بعض. كما ذكّر بواجبات احترام الزمان والمكان، واحترام أرواح الناس وأعراضهم ودمائهم.

من يقرأ هذه الخطبة يشعر أن النبي كان يريد أن يلخّص أهمّ الأمور التي جاء بها كتاب الله وقام هو بتفعيلها في الواقع. قالها أمام آلاف الحجّاج على جبل عرفة، وكان ربيعة بن أمية بن خلف يكرّر كلماته ليسمعها الناس. وابتدأها بالقول: “أيّها الناس، اسمعوا منّي أبيّن لكم، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.”

ثم قرّر المبادئ الكبرى: “إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام…” وختم: “ألا ليبلّغ شاهدكم غائبكم.” ثم سأل: “ألا هل بلّغت؟” فأجاب الناس: “اللهم نعم.” فرفع يديه قائلًا: “اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد.”

فقرة الحقوق الزوجية

من بين ما جاء في الخطبة: “أمّا بعد أيّها الناس، فإن لكم على نسائكم حقًّا، ولهنّ عليكم حقًّا.” ثم قال: “واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنّهنّ عندكم عَوانٌ لا يملكن لأنفسهنّ شيئًا، وإنّكم إنما أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمات الله. فاتّقوا الله في النساء واستوصوا بهنّ خيرًا.”

الصيغة واضحة: العلاقة الزوجية عقد أمانة إلهية، والحقوق فيها متبادلة.

الخلافات: واقع لا مفرّ منه

الخلافات أمر طبيعي في كل حياة زوجية: سوء تفاهم، أو خلاف على مستوى الاختيارات والقرارات والأفكار والسلوكيات. وفي بعض العائلات قد تصبح الخلافات على درجة من الحدّة أو الاستمرار أو العنف بحيث تحدث جروحًا نفسية لا تندمل.

الإحصائيات الكندية لسنة 2006 تشير إلى أن نحو نصف الأزواج المرتبطين بزواج قانوني في كيبك لا يتمكّنون من فضّ خلافاتهم فيلجأون للطلاق. وأهمّ مصادر الخلاف مرتّبة حسب شيوعها:

  1. المواقف السلبية (كثرة الانتقاد، حدّة الطباع، أنانية مفرطة، عدم النضج)
  2. المشاكل اليومية (المهام المنزلية، ضغط العمل)
  3. وجود حاجز نفسي يجعل أحد الطرفين على مسافة من الآخر
  4. نقص الالتزام والإخلاص
  5. ما يتعلّق بالعلاقة الجنسية
  6. ما يتعلّق بالأطفال
  7. الخيانة الزوجية
  8. النزعة التسلّطية
  9. القرارات المالية
  10. العنف الأسري

وجاليتنا المسلمة تعاني من جميع هذه الأنواع. لا أحد يمكنه إنكار ذلك.

البيت السعيد ليس الخالي من الخلافات

البيت المسلم السعيد ليس الذي يخلو من الخلافات، بل الذي يضمّ زوجين يعرفان كيف يختلفان دون أن يخسر كلّ منهما ودّ الآخر. حتى بيت النبوّة لم يخلُ من الخلافات. المهمّ هو كيف يُدار الخلاف بفنّ وحبّ ولباقة.

خمس قواعد لإدارة الخلاف

القاعدة الأولى: حين ينتقدك الآخر بحدّة أو يتهجّم عليك، فكّر قبل أن تردّ. قد يكون متعبًا أو مريضًا هذا اليوم. وإذا تمكّنت من ملاحظة ذلك، يمكن تفادي مشادّة قبل أن تبدأ. ثم فكّر في ردّ لطيف يهدّئ الجوّ. المبادرة لتلطيف الخلاف تُشعر الآخر بمقدار الحبّ.

القاعدة الثانية: تجنّب تكرار نفس الردود والعبارات كلّما أثير خلاف جديد. التكرار يُثير الغضب أكثر ممّا يحلّ المشكلة. وليحاول أحد الطرفين أن يحتفظ بهدوئه إذا لاحظ أن الآخر بدأ يفقد أعصابه.

القاعدة الثالثة: تجنّب العبارات القاطعة التي تُغلق باب الأمل. “لقد وُلدت هكذا.” “لا فائدة.” “لن تتغيّر أبدًا.” “أنت دائمًا تسيء فهمي.” كلّ هذه العبارات توصل إلى طريق مسدود وتُشعر الطرف الآخر بالإحباط.

القاعدة الرابعة: أن يشرح كلّ طرف ما يضايقه من أسلوب الآخر بطريقة مباشرة، بدلًا من تركه في حيرة. الصراحة المهذّبة تختصر الكثير من الوقت والطاقة.

القاعدة الخامسة: أن يبادر كلّ واحد بخطوات إيجابية تجاه الآخر حتى في لحظات الخلاف، بصرف النظر عمّن بدأ المشكلة. قال النبي: “لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ. يُعرض هذا ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.” فإذا كانت هذه القاعدة بين الأشخاص عمومًا، فهي أولى وأحقّ في العلاقة الزوجية.

خلاصة

خطبة حجّة الوداع تضع إطارًا واضحًا: العلاقة الزوجية عقد أمانة والحقوق فيها متبادلة. والخلافات واردة في كلّ بيت، لكنّ الفارق بين بيت سعيد وبيت بائس ليس في غياب الخلاف بل في طريقة إدارته.