الفرد جزء من الكلّ

تقوم شرائع الإسلام وأخلاقه على اعتبار الفرد جزءًا لا ينفصم من كيان الأمة، وعضوًا موصولًا بالجماعة. المسلم مطالب منذ لحظة التزامه أن يتعاون مع الآخرين ويتكافل معهم ويتبنّى همومهم ويسعى معهم لحلّها. هذا التعاون هو الذي يفضي إلى حالة الجسد الواحد التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمِهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر والحُمَّى.”

التكذيب بالدين: ليس ما تتوقّع

جعل الله من علامات التكذيب بالدين عدمَ تبنّي هموم الآخرين وعدم مساعدتهم ولو بالكلمة الطيبة: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون].

لاحظوا أن التكذيب بالدين هنا ليس إنكارًا نظريًا للعقيدة، بل هو سلوك عملي: دفع اليتيم وعدم الحضّ على إطعام المسكين ومنع الماعون.

حتى في الصلاة: “نحن” لا “أنا”

حرص الإسلام على أن تكون شعائره الكبرى مناسبات جماعية. وحتى في أخصّ لحظات المناجاة، لا يقول المصلّي “إياك أعبد” بل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ولا يقول “اهدني” بل ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. صيغة الجمع في أخصّ العبادات تعني أن المسلم لا ينفصل عن إخوانه حتى في خلوته مع ربّه.

محاربة الأنانية

حارب الإسلام الأنانية وأفهم الإنسان أن الحياة ليست له وحده وأنها لا تصلح به وحده. من حقّ أخيك عليك أن تكره مضرّته وتبادر إلى دفعها. فإن مسّه ما يتأذّى به شاركتَه في الألم. وإذا رأيته مهمومًا وقفت معه وحاولت إغاثته. أما أن تكون ميّت العاطفة لأن المصيبة بعيدة عنك، فهذا لا يصدر عن مسلم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه. من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه بها كربة من كُرَب يوم القيامة.” وقال: “لأنْ أمشي مع أخٍ في حاجة أحبّ إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا” — يعني مسجد المدينة.

الجيل القرآني: نموذج تاريخي

أدرك المسلمون الأوائل أن أعباء الحياة جسيمة وأن الإنسان وحده أضعف من أن يقف أمام الشدائد طويلًا. فأسّسوا بروح التكافل جيلًا قرآنيًا فريدًا لم يشهد تاريخ البشرية مثيلًا له. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفاضل بين أصحابه بحسب نفعهم للناس: “أفضلهم عنده أعمّهم نصيحةً، وأعظمهم عنده منزلةً أحسنهم مؤاساة ومؤازرة.”

واقعنا: سلبية وانعزال

أقلّ ما يمكن أن يُقال عن واقعنا أنه يختلف كثيرًا عن الواقع النبوي. أصبحت السلبية وعدم الاهتمام بمشاكل الآخرين سمة مميّزة لسلوكنا. كثرت الواجبات الاجتماعية ولم يتقدّم لتحمّلها إلا عدد قليل.

جاليتنا المسلمة مثال على ذلك: رغم العدد الكبير من الإطارات العلمية وأصحاب الشهادات، فإن من يقف وراء قاعات الصلاة ومدارس القرآن والحلقات التربوية والملتقيات السنوية هم نفس الأشخاص القلائل، يبذلون أكثر من طاقاتهم على حساب أوقاتهم وأسرهم ودراساتهم. والأخطاء التي تُلاحَظ أحيانًا مردّها أساسًا إلى كثرة المسؤوليات على أكتاف قليلين.

دعوة مفتوحة

حان الوقت للتعاون جميعًا، كلٌّ حسب طاقته وخبرته. لا يحقرنّ أحد نفسه. فمن أسلم حديثًا أو ليست له دراية واسعة بعلوم الدين قد يكون بإخلاصه العنصرَ الحاسم في نجاح الأعمال الجماعية.

وحان الوقت لمن فقد الحماس بسبب تجارب سابقة أرهقته أن يتجاوز الماضي ويعيد الانخراط. لأن ثمة مهامًّا لا يمكن إنجازها إلا بخبرات من انسحبوا.