واقع يحتاج إلى مراجعة
أتمّ الله نعمته بالرسالة الخاتمة وجعلها مصدرًا للعطاء الإنساني إلى قيام الساعة، وجعل المسلمين مسؤولين عن حملها بالحكمة والبصيرة. يقول تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، ويقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108].
لكنّ المستقرئ لواقع الجاليات المسلمة في أوروبا وأمريكا يلاحظ ثلاث ظواهر مقلقة.
تكاثر بلا بنية تحتية
هناك تزايد مضطرد في أعداد المسلمين الحاملين للجنسيات الغربية، لكن دون مؤسسات تربوية وتثقيفية قادرة على مواكبة هذه الزيادة. وهذا ينذر بتحوّل الجاليات إلى تلك الغثائية التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلّة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل.”
ضياع الجهود في غير موضعها
الجهود القليلة المبذولة تفتقد إلى فقه الأولويات. هناك إهدار للوقت والطاقات، وانشغال بما يولّد الحزازات ويمزّق الجماعات. ثمة اهتمام بالنوافل مع تضييع للفرائض: تنظيم رحلات حجّ متكررة وعمرات في رمضان، مع إهمال إنشاء المدارس ورياض الأطفال. وثمة تقصير في واجب الحوار مع غير المسلمين بالحجة والبرهان، كما يعلّمنا القرآن: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24].
الخلاصة أن كثيرًا من الفعاليات أصبحت تُصغّر الكبير وتُكبّر الصغير، وتؤخّر ما يجب تقديمه، وتقدّم ما يجب تأخيره، وتهمل الفريضة وتحرص على النافلة، وتعترك من أجل المختلف فيه وتصمت عن تضييع المتفق عليه.
غياب الوعي بسنن التدافع
الظاهرة الثالثة هي غفلة عن سنن التدافع والتسخير، مما أفقد الجهود أحد عنصرَي حُسن العمل أو كليهما: الإخلاص والصواب. يقول تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].
وقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء به من الهدى بالغيث الكثير الذي أصاب أرضًا: فمنها الطيبة التي أنبتت الكلأ، ومنها الصلبة التي أمسكت الماء فانتفع به الناس، ومنها القيعان التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً. فمَثَل من فقه في دين الله كمَثَل الأرض الطيبة، ومَثَل من لم يرفع بذلك رأسًا كالأرض السَّبِخة.
أي مسلم نريد؟
التغيير لا يبدأ بالكمّ بل بالنوع. معيار التفاضل في الإسلام ليس العدد بل الخيرية. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. وقد يعدل فرد واحد أمّة كاملة كما كان إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: 120]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس شيء خيرٌ من ألفٍ مثلَه إلا الإنسان.”
النوعية المطلوبة هي التي وصفتها سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. أربع صفات: عقيدة صحيحة، وسلوك مستقيم، ودعوة على بصيرة، وصبر على مصاعب الطريق.
الحاجة إلى عقول تتّسع للعالم
نحتاج عناصر إسلامية عالمية المستوى تستطيع أن تصل إلى عقول الناس وضمائرهم في كل مكان. لا يكفي قراءة قاصرة جامدة لبعض النصوص، ورؤية جزئية ضيقة لبعض جوانب الدين والحياة.
المسلم الحقيقي لا يشعر بمسؤوليته عن نفسه وأهله وأمته فحسب، بل يشعر بمسؤوليته عن الإنسان وهدايته ومصيره على هذه الأرض، ويترجم هذا الشعور إلى جهد حقيقي وموقف عملي.
المسلم صاحب رسالة في بلده وفي عالمه. كيف يؤدّي رسالته إذا جهل العالم الذي يعيش فيه وأقام بينه وبينه الحواجز والأسوار؟
مسؤولية الجميع
آثمٌ كلّ مسلم لا يفجّر طاقاته ولا يصل بها إلى أقصى ما يستطيع. وآثمٌ كلّ مجتمع إسلامي لا يساعد أفراده على بلوغ أقصى إمكاناتهم. فالنموّ والتقدم في هذه المرحلة فرض عين على كلّ قادر.
نحن بين أمرين: إما أن نرتقي إلى قمّة ما يُستطاع من الإيمان والجهد البصير، وإما أن نسقط نهائيًا من حساب العالم والزمان.