لخطبة الجمعة دور هامّ وأثر عميق في تشكيل فكر المسلم وسلوكه، خاصة أن حضورها فرض عين. لكن مع الأسف، تراجع الدور التربوي لمنبر الجمعة تراجعًا ملحوظًا، حتى أصبح كثيرون يحضرون إما مُكرَهين، وإما لأداء واجب فحسب، دون أن يتوقّعوا أن تحرّك فيهم المواضيع ساكنًا.
أزمة حقيقية
يأتي أحدنا إلى خطبة الجمعة وقد أصبحت عنده ضربًا من الروتين. يستمع ثم ينصرف. لا يُهمّه ما يسمع، ولا يُهمّه أن يستفيد مما يسمع. وقد يكون معذورًا: فكثيرًا ما تكون المواضيع متكرّرة ومملّة، ولا تحرّك العواطف والعقول، وكثيرًا ما تكون الخطب سطحية ومرتجلة وتركّز على الجزئيات.
هذا الانطباع السلبي يعود إلى طرفين: الخطيب وثقافته الشرعية والعلمية، والمستمع وثقافته أيضًا. لكن الجميع يحتاج لتجاوز هذه السلبيات كي يعود لخطبة الجمعة أثرها.
رسالة الجمعة الأصلية
صلاة الجمعة شعيرة هدفها بناء مجتمع الخير: مجتمع متعاون نشيط وفاعل، يجمع الغنيّ والفقير، والعالم وغير العالم، والرجل والمرأة، سواسيةً في مكان واحد. والغاية هي توعيتهم بالتوجيهات القرآنية والنبوية على ضوء المقاصد الثلاثة الكبرى: التوحيد، والتزكية، والعمران.
التوحيد: الاعتراف بأن الله خالق الكون والإنسان والحياة. والتزكية: تطوير القدرات وتهذيب الأخلاق وتصويب السلوك وحماية الفرد والجماعة من مرضَي الطغيان والاستضعاف. والعمران: ثمرة التزكية القائمة على التوحيد، أي بناء الحياة في كل مجالاتها.
ثلاثة أمور غير مقبولة
أوّلًا: أن تتعرّض خطب الجمعة للأمور الخلافية أو تكون تعصّبًا لوجهة نظر مذهبية محدودة. المسجد يجمع ولا يفرّق، ويلمّ شمل الأمّة بشُعَب الإيمان التي يلتقي عندها الكلّ.
ثانيًا: أن تُطرح القضايا الثانوية فتخلق تشتّتًا في الاهتمامات يعيق عن فهم الأولويات الحقيقية.
ثالثًا: أن تُطرح المواضيع بطريقة مرتجلة وغير معدّة. المهارة في الارتجال لا تُغني عن ضرورة الإعداد الجيّد الذي يُقدّر إنصات الناس واهتمامهم.
مسؤولية المستمع أيضًا
لكن إذا كان الخطيب مسؤولًا عن جودة خطبته، فإن المستمع أيضًا مسؤول عن طريقة تفاعله. ولعلّ أهمّ ما يساعد على ذلك هو استحضار معنى العيد في يوم الجمعة.
النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن يوم الجمعة يوم عيد” (أحمد). وعن أبي هريرة: “خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها” (مسلم).
العيد: صناعة الفرح
العيد في الإسلام هو اليوم الذي يريد الله فيه للإنسان أن يفرح: بالإحساس برضى الله ومغفرته وكرمه، وبإدخال الفرح على الناس. ولذلك يجب على المصلّي أن يستشعر معاني الفرح في نفسه، وأن يحرص على أن يكون عنصر فرح لمن يراهم في المسجد ثم لأهله حين يعود. يكون عنصر فرح وسرور لزوجته وأولاده، والزوجة تكون عنصر فرح لزوجها وأولادها.
وإذا كان الخطيب مسؤولًا عن إشاعة جوّ العيد من خلال الروح الإيجابية في خطبته، فيبقى للمصلّي الدور الأخير في الحفاظ على هذا الجوّ حتى لو لم تؤدِّ الخطبة دورها، كي لا تكون الخسارة مضاعفة: بعدم الاستفادة من الموضوع المطروح، وبضياع أجواء العيد.
الصدق والأمانة: جوهر الأمر
وممّا ينبغي التذكير به أن الصدق والأمانة هما الخصلتان اللتان وُصف بهما النبي طيلة حياته قبل البعثة وبعدها. وهما صفتان متلازمتان جامعتان لخصال الخير كلّها. وقد أرشد النبي إلى ذلك حين قال: “إن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقًا. وإيّاكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذّابًا” (البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود).
خلاصة
حين نحافظ على أجواء عيد الجمعة بوعي، نصنع الفرح في محيطنا، ويصبح لملاقاة الآخرين يوم الجمعة دور إيجابي في تجديد الإيمان في القلوب. المطلوب ليس خطبة مثالية في كل مرّة، بل وعي مشترك بين الخطيب والمستمع بأن الجمعة ليست واجبًا يُؤدّى ويُنسى، بل فرصة أسبوعية لتجديد المعنى وصناعة الفرح.