لا يكفي أن تعتقد بوجود الله اعتقادًا ذهنيًّا باردًا. فالإيمان العقلي وحده، مهما كانت أدلّته صلبة، لا يولّد حركة ولا يصنع تحوّلًا. ما ينقص معظمنا ليس البرهان، بل الحبّ.
الحبّ بوصفه جوهر الإيمان
في الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ”.
وفي صحيح مسلم: “ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا”.
الحديثان يتكلمان عن “حلاوة” و”طعم”، أي عن تجربة وجدانية لا عن قناعة فكرية. الإيمان الذي لا يُذاق ليس إيمانًا مكتملًا.
حين يهيمن العقل وينسحب القلب
قد يؤمن المرء بالله إيمانًا فكريًّا بارعًا، يحفظ الأدلة ويناقش بها، لكنّ هذا الإيمان لا يستمرّ ولا يؤثّر ما لم يصاحبه حبّ مستقرّ في القلب. القرآن حين تحدّث عن صفات المؤمنين لم يصفهم باليقين العقلي فحسب، بل ميّزهم بالحبّ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.
المقصود بهذا الحبّ ليس عاطفة رومانسية غائمة، بل انشغال فعلي: أن ينشغل العبد بما يقرّبه إلى الله عمّا لا يقرّبه إليه. حين يتحقق هذا الحبّ إلى جانب اليقين الاعتقادي تحلّ المشكلات. وحين يغيب الحبّ ويبقى الاعتقاد وحده في طوايا الدماغ تتكاثر الأزمات بلا حلّ.
تشخيص الغياب
كثير من مشكلات المسلمين اليوم — من الحقوق المهدرة إلى التشرذم السياسي إلى توظيف الدين لخدمة المصالح — نبعت من أنّ الإسلام صار جسدًا بلا روح. صار فلسفة يتحرّك بها اللسان، وكلمات تُكتب وخطبًا تُلقى، لكنّ الحبّ غائب.
حين غاب الحبّ عن الأفئدة، فاضت فيها محبّة أخرى: محبّة الدنيا والمال والشهوات والرئاسة. وبقي الإسلام محصورًا في الدماغ.
الرعيل الأوّل: نموذج الحبّ الفاعل
ما تحقّق على أيدي الجيل الأوّل من معجزات النصر والوحدة لم يكن لمجرّد اليقين العقلي بمبادئ الإسلام. تحقّق بسبب حبّ هيمن على القلوب؛ حبّ صغّر الكبير من أمور الدنيا، وكبّر ما يبدو صغيرًا من أمور الآخرة. حبّ قرّب البعيد ولـيّن الحديد وجعل المستحيل ممكنًا.
روى الإمام مالك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البقيع فسلّم على أهله، ثم قال: “وَدِدْتُ لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ إِخْوَانِي”. قيل: ألسنا إخوانك؟ قال: “بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِي أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بَعْدُ”. ثمّ أضاف: “أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، فَأَقُولُ: أَلَا هَلُمَّ. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي كَمْ بَدَّلُوا مِنْ بَعْدِكَ. فَأَقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا”.
كيف تقيس حبّك؟
قد يدّعي أكثرنا أنه يحبّ الله ورسوله. لكنّ القرآن وضع معايير واضحة:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
المحبّة إذن ليست شعارًا ولا شعورًا عابرًا. هي اتّباع واحتكام وتسليم. هي أن تضع المرجعية الإلهية فوق كل مرجعية أخرى، لا بالكلام بل بالسلوك.
خاتمة
روى البخاري ومسلم أنّ أعرابيًّا جاء النبي فقال: متى الساعة؟ قال: “وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟” قال: ما أعددت لها كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة، غير أنّي أحبّ الله ورسوله. فقال: “الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ”. قال أنس: فما فرحنا بشيء قطّ فرحنا بهذا الحديث.
الإيمان الحقيقي ليس معادلة ذهنية. هو ذوق وحلاوة ووجد. ومن لم يجد تلك الحلاوة فليراجع مقدار الحبّ في قلبه، لا مقدار المعلومات في دماغه.