مصطلح “الوزن والميزان والموازنة” من المصطلحات القرآنية المركزية التي تستحقّ تأمّلًا معمّقًا. وحين نبحث في القرآن عن الجذر اللغوي لهذا المصطلح، نجد ثلاثًا وعشرين كلمة يمكن تصنيفها في أربعة محاور رئيسية.

المحور الأول: ميزان القيامة

ورد في خمسة مواضع، منها قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].

في هذه الآية إشارة إلى موازين متعدّدة، بمعنى أن لكلّ فرد ميزانًا خاصًّا يتّصف بالعدل المطلق الذي لا يظلم أحدًا شيئًا. وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: 8-9]. وفي سورة القارعة: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: 6-9].

وهذا المعنى موازنة أخروية ربّانية، شأن الإنسان فيها أن يحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب، وأن يزنها قبل أن تُوزَن، كما قال عمر رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوها قبل أن تُوزَنوا.”

المحور الثاني: العدل في الكيل والتجارة

جاء في ستة مواضع، ثلاثة منها في قصة قوم شعيب كنموذج على بخس الميزان وما حلّ بهم من عقوبة، وثلاثة أخرى تبيّن أن العدل في الكيل والوزن فرض على المؤمنين: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: 85]. وقال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: 35].

المحور الثالث: التوازن في الصنعة الإلهية

ورد في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19]. وهذا يشير إلى أن التوازن سمة أصيلة في الخلق الإلهي نفسه.

المحور الرابع: العدل كقيمة مطلقة

جاء في ثلاثة مواضع، منها: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7-9]. أي أن الله شرع العدل وبيّنه وأمر به، ثم نهى عن الإفراط والتفريط وأمر بالوسط وهو العدل. وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: 17].

الإنسان والعدل المطلق

مفاهيم الوزن والميزان والموازنة تشير كلّها إلى المحاسبة والمراقبة والعدل، وتؤكّد أن الإنسان لا يخلو من عيب أو نقص، لكنّ العبرة بما غلب عليه.

وقد أشار القرآن إلى أن محاسبة الناس في قضايا الإيمان والكفر والجنّة والنار مسألة متعلّقة بالموازنة الأخروية التي اختصّها الله لنفسه، لأنها تقوم على عدل مطلق لا يظلم أحدًا شيئًا ولو كان مثقال حبّة من خردل. وهذا ما يعجز البشر عنه — حتى الأنبياء. ولذلك أكّد القرآن أن مهمّة الأنبياء البلاغ فقط: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: 40].

من هنا، فالعدل يقتضي ألّا يجعل أحدنا نفسه قاضيًا على الخلق ولا أن يحاكمهم. وإذا اضطرّ لذلك وجب عليه أن يتحرّى غاية العدل والإنصاف.

العدل: شعبة من أعلى مراتب الإيمان

الآيات القرآنية المذكورة تؤكّد أن العدل شعبة من أعلى شعب الإيمان، وقيمة عظمى قامت بها السماوات والأرض، وبُعث بها الرسل، وأُنزلت بها الكتب. ولذلك يجب تربية المؤمنين على العدل مع أهلهم وأبنائهم وإخوانهم، بل ومع أنفسهم ومع الأعداء، في الأمور المادية والمعنوية.

وليس المرء بقادر على تحقيق كمال العدل إلا بعون الله، لكن عليه أن يحرص على تطوير قدراته ومراجعة أحكامه وقناعاته وفق مستجدّات العلم والمعرفة، حتى يحقّق أكبر قدر ممكن من العدل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

خلاصة

وفي الحديث الذي رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو: “إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عزّ وجلّ، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا.” أن تعدل في حكمك وأهلك وما وُلّيت: هذا هو الطريق.