في حواراتنا الدينية، كثيرًا ما نستشهد بآيات أو أحاديث ثم نكتشف أننا نفهمها بطرق مختلفة أو نطبّقها باتجاهات متباينة. وكلما خضنا في التفصيلات، اتسعت مساحات الاختلاف — وهو ما يدفع كثيرًا منا إلى الانتماء لمذهب أو مدرسة أو الاقتداء بشيخ بعينه.
لكنّ المشكلة ليست في الاختلاف نفسه، بل في الطريقة التي نفسّره بها.
ليس كل اختلاف جهلًا
حين نحاول فهم أسباب التنوع القائم بيننا، يتكرر على مسامعنا تفسير واحد: الجهل واتباع الهوى. هذا التفسير ليس خاطئًا بالكامل — لا شك أن جانبًا من الاختلاف منبعه ذلك — لكنه قاصر عن تفسير المشهد كله. فثمة أسباب أخرى: بعضها ذاتي يتعلق بالتركيبة العقلية والنفسية والثقافية للأفراد، وبعضها يعود إلى طبيعة النصوص الشرعية التي يحتمل بعضها تعددًا في المعاني.
من هنا ضرورة التمييز بين مفهومين مختلفين: الاختلاف والتنوع. إذا كان الاختلاف مذمومًا، فإن التنوع أمر طبيعي يجب الاعتراف به والقبول به لأنه سنّة من سنن الله في البشر. والمؤسف أن كثيرين يخلطون بين الأمرين، فيحكمون على اختلافات طبيعية في الفهم والتطبيق بأنها ناتجة عن الجهل واتباع الهوى، بينما هي في الحقيقة تنوع ناتج عن اختلاف أنماط التفكير والشخصيات والمؤثرات الثقافية.
العامل الأول: ثنائية اللفظ والمعنى
ثمة أمر جوهري يحكم تعاملنا مع النصوص، وليس خاصًا بالنصوص الدينية: البشر بطبيعتهم يتراوحون بين التركيز على ظاهر الألفاظ والبحث عن المعاني المستبطنة. لكنّ آثار هذا التراوح تصبح أكبر وأخطر حين يتعلق الأمر بالقرآن والحديث.
يقول ابن القيم في إعلام الموقعين:
«الألفاظ ليست تعبّدية، والعارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظيّ يقول: ماذا قال؟»
العلم الحقيقي هو معرفة «ماذا أراد». أما معرفة «ماذا قال» فيصل إليها الجميع — لذلك لا نسمّي طفلًا يحفظ القرآن عالمًا أو مفسرًا، ولا شابًّا يحفظ المتون الفقهية فقيهًا. وقد ذكر أبو حامد الغزالي أن من جمع النصوص والروايات وحفظها كان يُسمّى «وعاءً من أوعية العلم» — عبارة فيها مدح من جهة وانتقاص من جهة، لأنه جمع وحفظ كما يجمع الوعاء ويحفظ ما يُوضع فيه.
هذا التأرجح بين اللفظ والمعنى يُنتج في الواقع أربعة أصناف: اللفظيون الذين لا يتجاوزون الوضع اللغوي للكلمات، والظاهريون الذين يقفون عند المعنى المباشر دون البحث في العلل والحِكم، والمقاصديون الذين يجمعون بين اللفظ والمعنى ويتساءلون عن المقصود والحكمة، والباطنيون الذين يزعمون أن للنصوص أسرارًا لا يدركها إلا إمام معصوم أو شيخ طريقة.
اللفظيون والباطنيون طرفا انحراف. أما الظاهريون والمقاصديون فيشكّلون التيار الواسع للأمة — وهو ما أقرّه النبي ﷺ في حادثة صلاة العصر في بني قريظة، حين أقرّ كلا الفريقين من الصحابة على تعاملهم مع أمره.
ومن المهم أن نتذكر: هذا التصنيف ليس ثابتًا — فقد يكون الواحد منا ظاهريًا أمام بعض النصوص، ومقاصديًا أمام غيرها، دون أن يشعر.
العامل الثاني: ثنائية التشديد والتيسير
العامل الثاني الذي يُنتج التنوع الطبيعي بين المسلمين هو ما يمكن تسميته بثنائية التحريم والتحليل، أو التشديد والتخفيف. وهذا ليس خاصًا بالتديّن، بل هو ظاهرة بشرية عامة تظهر في الأمور الدينية والدنيوية على حد سواء.
يعود هذا التنوع إلى ثلاثة عوامل:
أولًا — عامل وراثي: تنتقل من خلاله الخصائص النفسية من الآباء إلى الأبناء.
ثانيًا — عامل تربوي: يتأثر فيه الإنسان بعشرات الأشخاص المحيطين به في البيت والمدرسة والعمل والشارع.
ثالثًا — صعوبة التمييز الموضوعي بين ما هو حلال بيّن وحرام بيّن ومتشابه. التمييز بين ما محلّه التيسير ومراعاة المقاصد والظروف ودفع الحرج، وما محلّه الورع واجتناب الشبهات والأخذ بالأحوط — هذا في جوهره حكم ذاتي وليس موضوعيًا، ولذلك لا يمكن أن يتعامل معه الناس جميعًا بنفس المنطق.
خطورة التسرّع في الحكم
التشدد ليس دائمًا دليلًا على الاستقامة والعلم والورع. والتيسير ليس دائمًا دليلًا على التسيّب واتباع الهوى. الأمر أكثر تعقيدًا مما نظن.
ولذلك يجب الحذر من أمرين: التسرّع في الحكم على الآخرين، والتسرّع في وصف فهمنا الشخصي بأنه الحق الذي يريده الله ورسوله. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ﴾ (النحل: 116).
وقال الإمام مالك:
«لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا الذين يُقتدى بهم أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام. ولكن يقول: أنا أكره كذا وأحبّ كذا. أما حلال وحرام، فهذا الافتراء على الله.»
بل إن النبي ﷺ نفسه نبّه إلى هذا المعنى حين قال — فيما رواه مسلم من حديث بُريدة بن الحُصيب: «وإذا حاصرتَ حصنًا، فسألوك أن تُنزلهم على حكم الله ورسوله، فلا تُنزلهم على حكم الله ورسوله؛ فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك.»
نحو ثقافة التنوع
بدلًا من الإكثار من ذكر قضايانا الخلافية ومناقشتها، نحتاج أن نُكثر من الحديث عن التنوع الطبيعي الذي يميّزنا، وأن نتقبّله، وأن نعتبر وجود الاتجاهين — الظاهرية والمقاصدية، التيسير والتشديد — أمرًا ضروريًا لتحقيق التوازن في أمتنا وعدم السقوط في أحد طرفَي الانحراف.
وعلينا أن نبحث عن القيم والهموم والواجبات المشتركة فنتعاون في أدائها — فذلك أولى الأولويات.