لماذا نلتقي؟

انتظمت مؤخرًا الأيام الإسلامية السنوية للجالية حول موضوع تربية الأبناء. وقد كانت فرصة التقى فيها المسلمون في جوّ أخوي تبادلوا فيه الآراء والأفكار. مثل هذه اللقاءات ضرورية: فهي مناسبة لتمتين العلاقات والتعارف، وفرصة لتعلّم آداب العمل الجماعي الذي ينمّي في المسلم الإحساس بانتمائه إلى مجموعة تمثّل جزءًا من كيان الأمة.

في هذه اللقاءات يعيش المسلمون قيم التعاون والتراحم والتكافل، مما يمكّنهم من استشعار حالة الجسد الواحد التي عبّر عنها النبي صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمِهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر والحُمَّى.”

وقد حرص الإسلام على أن تكون شعائره الكبرى مناسبات يلتقي فيها المسلمون، وكلّما ضخم العدد تكاثرت البركات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وكلّما كثر فهو أحبّ إلى الله عز وجل.”

نجاح مع نقائص

حقّق اللقاء كثيرًا من أهدافه بفضل جهود المخلصين الذين عملوا أشهرًا في الإعداد. وككلّ عمل كبير، ظهرت أخطاء ونقائص كان بالإمكان تفاديها لو كثر المتطوّعون. لكنّ ثمة ظاهرة لفتت الانتباه أكثر من غيرها وتستحق التأمل.

ظاهرة الغياب والانتقائية

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثير العناية بأصحابه، يتفقّدهم فردًا فردًا. فإذا غاب أحدهم سأل عنه واستفسر عن أسباب غيابه، لا تشهيرًا بل اهتمامًا نابعًا من حبّه ألّا يفوتهم خير.

والملاحظ أن كثيرًا من الإخوة تغيّبوا عن الأيام الإسلامية دون عذر جدّي. بعضهم ممّن هم في موقع المسؤولية أو في مقام القدوة، وغيابهم أشدّ تأثيرًا من غياب غيرهم. تغيّب بعضهم كليًّا، وحضر آخرون في الأمسية الثقافية فقط، وفريق ثالث انتقى من المحاضرات ما أعجبه وترك الباقي.

الدوافع متنوّعة: من لم يرَ جدوى، ومن لم يعجبه البرنامج، ومن لم يعجبه محاضر بعينه، ومن رأى أن عدد الحاضرين يكفي فتغيّبه لن يُلاحَظ. لكنّ السؤال المشروع: هل كان غيابكم أنفع للجالية أم حضوركم؟ وهل الانتقائية في فقرات البرنامج تعبير عن الإيجابية التي يدعو إليها الإسلام؟

الإتقان: مقياس شرعي

علّمنا الإسلام أن نزن أعمالنا بمقياس الإخلاص والصواب. يقول تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]. وسُئل الفُضيل بن عِياض عن معنى “أحسن عملًا” فقال: “أخلصه وأصوبه. فإن كان خالصًا غير صواب لم يُقبل، وإن كان صوابًا غير خالص لم يُقبل. والخالص ما كان لله وحده، والصواب ما وافق كتاب الله وسنّة رسوله.”

المسلم مطالب بأن يحاسب نفسه ويوازن بين الإيجابيات والسلبيات بمقياس الشرع لا بمقياس الهوى، قبل أن يقرّر أيّ موقف.

النصيحة لا الانتقاد

ليس المقصود هنا التحامل أو التشهير، بل النصح الذي أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة. لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم.” وهذا من مقتضيات الأخوّة: ألّا نسكت عند وقوع أحدنا في خطأ، لأن أخاك من صدقك لا من صدّقك.

دعوة إلى المشاركة

حان الوقت للتعاون جميعًا في تحمّل هذه الأعباء، كلٌّ حسب طاقته وخبرته. ولا يحقرنّ أحد نفسه كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم. فمن أسلم حديثًا أو ليست له دراية واسعة بعلوم الدين، قد يكون بإخلاصه وجهده العنصرَ الضامن لنجاح هذه الأعمال.

وحان الوقت أيضًا لمن فقد الحماس بسبب تجارب سابقة أرهقته وأحبطته، أن يتجاوز الماضي ويفكّر في مستقبل الجالية بأمل وإرادة، لأن ثمة مهامًّا لا يمكن إنجازها إلا بخبراتهم.